الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

فكر وإبداع



الجمعية المتوسطية للفنون المعاصرة

ندوة حول الفيديو نموذجا ميديولوجيّا



أصـدرت مؤخــرا الجمعيـة المتوسطية للفنون المعاصرة الورقة العلمية لندوتها السنوية و التي ستنتظم في غضون شهر ديسمبر القادم والتي ستتمحـور حـول «الفيديو نموذجا ميديولـوجيّا». الورقة العلمية التي قدمتها الباحثة فاتن شوبة تضمنت دعوة للباحثين لتقديم مشاريع مداخلاتهم للندوة وفق الاشكاليات والمحاور التالية التي تضمنتها الورقة العلمية .

صارت الفيديوغرافيا، في زمن الرّقمي وبفضل انبثاق التّقنيات الحديثة إلى تخوم تألّقها. إنّها ملكة المحتويات على صفحات الواب وشبكات التّواصل الاجتماعي. يدعم نموّ أداء الآليّات الرّقميّة الجوالة المتصلةّ بالشّبكات بطريقة مباشرة هذا التّوجه، فصارت الفيديو المتوفّرة قابلة للمشاهدة في أي مكان وأي زمان. لقد أصبحت وسيلة بث جذريّة للمحتويات وتمهيد ملموس في تغيير النّموذج الّذي نجده الآن.

إنّها أداة التوزيع والبث الواسع والمحتويات المتناثرة، الّتي تدلّ آثارها الفيروسيّة على الاهتمام المتزايد بها من طرف مستخدمي الأنترنات. وفي المستوى التّقني فإنّها تشكّل عمليّة تسجيل وبثّ وتوزيع الصّورة. وهذا ما عمل الجيل الأوّل من الفنّانين الفيديوغرافيّين على إبرازه بجلاء. ومنذ ظهورها كوسيط فنّي ضمن تيار الفلكسيس، في السّنوات السّتين من القرن العشرين، تمكّنت من التّخلّص من موجب تأكيد صلاحيّتها وطاقتها في تمثيل الواقع. وكوسيلة نقد في التلفزيون، كان رهانها قائما على البرهنة على طبيعتها المخادعة وللبرهنة على كيفيّة توظيف الوسيط عبر استثمار شفراته الخاصّة به. لقد تباين فن الفيديو ومنذ البدايات، مع التلفزيون بشكل جذري، رافضا جماليّة واقعيّة صوره من أجل أن يبني طبيعته الخاصّة ولغته الخاصّة به كممارسة فنّية في التّركيز على ذاته وسيطا فنّيا.

انبنــى وانطلاقـا ومن هــذه الخصـوصيّـة، الرّابـــط مــع الميديولوجيا. تيار فكريّ نظّر له «رجيس دوبري» في السّنوات التّسعين. إنّه اصطلاحا يهتمّ بظواهر البثّ. وتنصبّ اهتماماته وأهدافه في فهم وشرح وقع التّقنيات والتكنولوجيّات ووسائل الاتصال وتأثيرها على تطوّر الثّقافة الإنسانيّة في علاقتها مع بيئتها. ويتحدّد مجال الميديولوجيا في التّفاعل الّذي يحدث بين التّقنيات وبين التّقدّم الثّقافي، أي تأثير الوسيط على السّلوكات الاجتماعية والذّهنيّة أو التّمثّلات في وضع العالم. تركيب اصطلاحي بين لفظتي وسيط من اللاّتينيّة «الموصل» و«اللّوغوس»من الإغريقيّة ويفيد الخطاب، وتهتم الميديولوجيا بالطّرائق أكثر منه بالأهداف أو المنتهيات وبالوسيط أكثر منه بمحتوى الخطاب.

وفي زمن انتشـار الفيديـو، الوسيط الأمثل في البثّ، تجد مثل هذه المقاربة شرعيّتها. وبعيدا عن أيّ توجّه بسيط، يقدّم فنّ الفيديو نفسه كترجمة مثاليّة لرؤيتنا الحاليّة للعالم.من هذا المنظور، تطرح صورة فنّ الفيديو وبشكل مستمرّ سؤال هويّة الصّورة وتحمل رؤية نقديّة لواقعنا اليومي ولمحيطنا الوسائطي. لقد تجاوزت ومنذ ظهورها طاقتها في اقتناص معطيات الواقع من أجل استثمار عوالم خياليّة وتوظيف خصوصياتها الدّاخليّة المدمجة عبر تطعيمها بعديد الأشكال الفنّية التقليديّة أو المعاصرة. إنّها فنّ متداخل الاختصاصات ومتعدّد الأشكـال، صنو التّهجيــن بين الممارسات الفنّيّة يتسرب إلى جميع المجالات الفنّيّة. إنّ الفيديو في كلّ مكان (آلة الإبصار) على حدّ تعبير «بول فريليو» تكثيف للمشهدي في مجتمع المشهد بلفظة «غي دي بور»، إنّها تمضي في اتّجاه جميع الأشياء وترتبط بها. وعبر استثمار مختلف الحقول الفنّية، يقوم فنّ الفيديو بتقويض أركانها، وتلتهمها، بل وتتملّك أشكالها وتجعل منها أغراضا لمعالجاتها. إنّه فنّ عابر غير أصيل هجين ومارق.

إنّ طرح فنّ الفيديو بالاتكاء على خصوصيّة التّحوّل الدّائم في تقنياته وفي وسائطه، يؤسس نموذجا ميديولوجيّا والّذي تجب مساءلته من أجل التّفكير في مستقبل الفنّ الأكثر معاصرة من بين الفنون المعاصرة. في هذا المجال الفيديوغرافي بحسب «رجيس دوبري»، عالم الصّور هذا عالمنا، يعدّ الفيديو علامة ومؤشّرا وفكرا يحمل مجازفة التّحوّل الجذري في إدراكنا للعالم ووجودنا فيه، بالقدر الّذي تقوم فيه هذه الأشكال المستحدثة بجرّنا إلى العود التّدريجي نحو الواقعيّة في التمثيل. الفيديو الحيّ المباشر، الفيديو المراقب، الفيديو الغامر، عديد من المحاولات لإخراج الفيديو من إطار البث، وتوظيف عديد السينوغرافيات الفنّيّة، الّتي تؤشّر على التّفاؤل بثورة لا تتورّع عن تملّك جميع الأشكال الفنّية الموجودة والثقافات ووسائل التّواصل. ولكن الواقع، الواقع ذاته والّذي يريد الفيديو أن يستنسخه أو ينتجه واقع تخييلي ووهمي، مخادع، يرتكز على مشروطيّة طريقة إدراكنا. نحن بحاجة إلى مساءلة الوسيط ليس من أجل خفض حجم فن الفيديو أو في محاولة نوستالجيّة لاسترجاع الماضي القريب، ولكن قصد فهم كيف لوسيط مسيطر، شارط مخفيّ، لرؤية العالم أن يكون عنصرا في تحويل المؤسّسة الاجتماعية.