الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

فكر وإبداع



جدارية

من حذاء فان غوغ الى أرنب جوزيف بويز


عمر الغدامسي

هناك مقولة لشارلي شابلن شهيرة : «قبل أن أعرف إلى أين أنا ذاهب ينبغي أن أصل إلى هناك» لعل عدم وعي عديد من يكتبون حول الفن بمثل هذه العناصر الأساسية هي التي جعلتهم لا يجدون البصري في البصري أي الأثر بل فيما هو نصوص هائمة صالحة لكل مكان وزمان وهذا موضوع انتبه إليه الفكر منذ عقود ونذكر هنا مؤلف جيل دولوز «الحقيقة في التصوير» والذي تعرض فيه لتحليل هيدغير حول لوحة «الحذاء» لفان غوغ فقال أن هيدغير لم يشاهد اللوحة جيدا لأن فان غوغ لم يرسم زوجا من الأحذية الفلاحية النسائية، فنحن لا نعرف إذا كان من يرتديها رجل أم امرأة في الأساس. بل وابعد من ذلك إنهما لا يشكلان معا زوجا من الأحذية، لأنهما لنفس القدم اليسرى فهما فردتان متشابهتان.

في رواية «النفق» لأرنستو ساباتو، يقول الاخير على لسان بطله وهو رسام ما يلي: « أمقت من بين الجماعات كلها، جماعة الرسامين بصورة خاصة لأنني بطبيعة الحال أدرى منهم، ومن المعروف أن المرء يمكن أن يكره بحق من يعرف تمام المعرفة. كذلك لدي سبب آخر لكراهية النقاد، فهم وباء لم أتمكن من إدراك كنهه إطلاقا. لو كنت جراحا كبيرا، وجاءني رجل لم يسبق له أن تناول مبضعا قط. لا هو طبيب ولن يجبر قائمة هر أبدا، ليبين أخطائي في عملية جراحية فماذا عساكم تتصورون؟... يحدث الأمر ذاته في فن الرسم، والغريب أن الناس لا يلاحظون ذلك فعلى الرغم من أنهم يهزؤون من إدعاءات ناقد الجراحة هذا تراهم يصغون باحترام بالغ إلى أولائك الثرثارين».

انتهى كلام الراوي لندرك بأن معنى هذا هو انه في غياب ارتباط المعرفة بالممارسة و بأسرار المكونات الأساسية المادية للمواد والخامات و الحوامل،...الخ ، قد يصبح النقد ممارسة مشكوك فيها .

فالمواد و الخامات غير حيادية وهي تنصهر وفق رؤية الفنان لتنتج المكون البصري ضمن حالة فريدة من التوافق بينها وبين الحواس وصفها جيل دولوز باللحظة المهمة في الرسم، وهي لحظة تساوي فيها العين اليدين دون نقصان و فق قوله ايضا وذلك في درسه المقدم بتاريخ 28 أفريل 1981. وهي لحظة أساسية ضمن أساليب ومرجعيات الفن الحديث والمعاصر، حيث أن عناصر مثل المفاجئ والمنفلت والحدثي أساسية في عملية التمشي الفني الذي يمكننا تبسيط حيويته، والتي لا يمكن للنقد القفز عليها.

تغييب العناصر الهامة في الأثر البصري هي التي جعلت جوزيف بويز يقوم في أحد معارضه في الثمانينات بجلب أرنب ميت إلى قاعة العرض ليملي عليه دروسا في الفن.

لقد جاء الفن الحديث كنوع جديد من الرسم يكشف طبيعة الادراك أكثر مما يكشف طبيعة الشيء المدرك ويفسر الآن باونيس أستاذ تاريخ الفن الحديث بجامعة لندن ذلك بقوله : «لقد كان كوربييه يعلم أن لون الحشيش أخضر وذلك هو منتهاه. لكن مونيه ورينورا رأيا أن ذلك الحشيش قد يبدو رماديا أو أصفر أو أزرقا قياسا بالضوء الساقط عليه وهذه الرؤية هي أصل الثورة في رسمهما .

أما في الفن المعاصر فلقد كان بازليتس يقلب لوحاته كموقف من الطريقة التقليدية في النظر للوحة والمرتبطة بذاكرة التعامل مع العمل الفني عموما. فهو يرى أن العمل الفني المشحون بطاقة ما يتحول إلى كيان مادي مستقل. فهو ليس نصا عن العالم وإنما جزء من هذا العالم نفسه وفي ذلك تأكيد على الحضور المادي للعمل الفني واستقلاليته عن الملتقى وعن معايير الحكم على القيمة الفنية، وهذا ما تؤكد عليه تجارب وتوجهات الفن المعاصر منذ مارسال دوشامب والدادائية إلى غاية اليوم.

طبعا كل هذه المفاهيم غير مهمة بالنسبة الى بعض الكتاب ، ممن يكتبون نصوصا حميمية منطلقها الصداقة و الاعجاب و ما الي ذلك من دوافع ليست ذات علاقة بالفن و الثقافة .

النقد ليس بالضرورة اطلاقا للاحكام والتعيير واختزاله في عنصر التقويم هو إغفال لعناصر أساسية في كل قراءة نقدية تهم ما هو بصري أي الوصف والتشريح والتي هي المنطلق لما هو تقييم وقراءة وتنظير.

أن يقوم النقد على الحميمية والصداقة، فهذا أمر لا يمكننا التعليق عليه، لأنه يدخل في سياق ما هو علاقات شخصية إما أن يكون النقد تقويما فإن ذلك يستوجب امتلاك معارف و رؤية و كذلك قربا من الممارسة . تذكروا ما قاله بطل «النفق» في رواية ساباتو .

اختزال النقد فيما هو حميمي وصداقة يفرغ الفن من دلالاته ومعانيه الجوهرية بوصفه خطابا وطريقة في التفكير ويجعله مجرد منتوج سلعي ومجرد فاصل من مجتمع المشهد فالنقد معنى يجسم العلاقة بين الأثر بشحناته الدلالية والقيمية كخطاب صامت وبين الحيز الثقافي الذي ولد ضمنه بما يضمه ذلك الحيز الثقافي من خطابات متعددة سائدة أو هامشية، متحررة أو محافظة، طلائعية أو جاذبة. وهذا ما جعلنا دوما نؤكد على عدم حيادية النقد أو اختصاره كجهد تقني وصفي.

فالنقد هو بالأساس خطاب انتماء واندماج ضمن رؤية تخص المجتمع والعصر، الحياة والوجود. وأعتقد أن هذا المفهوم للنقد غير الحيادي، هو الذي جعل النقد الأكاديمي ينكر تجارب المرفوضين وهو الذي جعل النقد المحافظ يرفض أعمال الوحشيين وغيرهم.

تغييب هذا البعد الجوهري في الفن كما في النقد جعل الغلبة في فنوننا لما هو تزيين وصناعة للصور وتبضيع وتسويق، لذلك فليس من باب الغرابة أن يتم التركيز لدى البعض على طرح مسألة سوق الفن وعقد الندوات حولها متناسين أن القيمة المادية المتحققة اليوم للفن في الغرب راجعة إلى تلك القيمة الرمزية والتاريخية التي يحملها الأثر الفني. فما نعتبره نحن سوقا فنية متطورة وهائلة في الغرب هو استثمار مادي لما هو رمزي وتاريخي لمجتمعات ممتلئة بانجازاتها الراهنة والماضية إلى حد النرجسية أليس كل أثر فني هو انعكاس أصيل لعصره وكذلك لشيء اخر لا يقل اهمية يتلخص في حالة الانصهار و التماثل بين تجارب الفن و حقبته الثقافية و حتي الاجتماعية و السياسية والعلمية؟ .


عمر الغدامسي