الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

فكر وإبداع



الفنان حسام الدين سحاف..الفنان حسام الدين سحاف..

الأبيض والأسود قادران على تجريد التفاصيل


عمر الغدامسي

اسمه حسام الدين سحاف ، فنان تونسي يعمل في صمت وبالكاد يرى. يتميز بعمق الثقافة و الرؤية و بأسلوب فني يجمع بين الحرفية و الموهبة .في كلمات نكتشف رؤيته.

البداية ..

علاقتي مع القلم بدأت مبكرة. منذ طفولتي كنت قد وقعت في إغراء الأشكال والخطوط المحيطة بي. وأعجبت جداً بقدرة القلم على إعادة صياغتها وربطها معاً. لا أدري طبيعة هذا النزوع حقاً ولكنني أدرك أنه تمكن منّي ودفعني شيئاً فشيئاً إلى الالتصاق بهذه الأجوبة الصغيرة وجعلها إصبعي الحادي عشر. لقد أبهرتني قدرة رصاصه على تقديم نقطة كثافة استطعت من خلالها تكوين محيطي من جديد. وهو أمر احتجته كثيراً في تلك الفترة. لم أكن أعي هذا كله طبعاً، حينها، ورغم ذلك أعلم الآن أن الابهار الذي أثاره في نفسي هذا القلم قادني إلى فقدان الاهتمام بالكثير من الأشياء التي يُفترض على أي تلميذ في الأساسي تعلمها: الخط مثلاً.

خلال هذه الفترة، لم أجد أي رغبة في التعامل مع الرسم بطريقة جدية. كنت أملك قلماً واحداً من تلك الأقلام التي يبيعونها للأطفال، وكنت لا أرهقه كثيراً. هكذا حتى بلغت العشرين من عمري، وعصفت الحياة ريحها بشراسة، فألقت بي وسط ورقة بيضاء تريد أن تُملأ بكل إصرار. لم أكن قادراً على الكلام، فقررت الرسم. هكذا، اشتريت مجموعة أقلام وبدأت تعلم الرسم، فعلياً.

الابيض والاسود

العالم صراع ثنائيات، يتخللها بعض التدرجات. إن الأبيض والأسود قادران على تجريد التفاصيل اللونية للعالم، ووضع جوهر الموضوع أمامنا. الأبيض والأسود لا يعتبران ألواناً بل درجات ضوئية، يمكن تطبيقها على جميع الألوان، وهذا ما يجعلهما قادرين على استيعاب التفاصيل دون الوقوع في المنطق الاختزالي الذي يُنسينا الصورة الكبرى. لهذا فإن الانتقال بين الأبيض والأسود والإصرار على إظهار السوداوية أمر مقصود. وهو جزء من المواضيع التي أرسمها.

الرسم والقراءة

لا أظن أن الرسام يستطيع تجنب أثر قراءاته والتركيب الذي ينضاف إلى فكره ووجدانه بعد كل كتاب جديد، حتى إذا أعلن عكس ذلك. إذا كان محترفاً ويرسم مقابل المال، فهذا حديث آخر. أما إذا كان يريد حقاً قول شيء ما، فإن مطالعاته ستقوده دائماً إلى إشكالات جديدة، تبحث لها عن انفلاتات وتعبيرات ما في فضاء الورقة.

في ما يخصني، أتذكر جيداً أن قراءة دستوفسكي وهيدغار كانت ذات أثر بالغ في نفسي، و قد ساهمت في إظهار ما حولي بطريقة مختلفة ومستجدة، فصار يبدو لي العالم كعلاقات أكثر منه كأشياء منفصلة ومنقطعة. هذا ما مكنني من إدراك ديناميكية جديدة في شبكات المواضيع المنتشرة حولي ورسمها بطريقة مختلفة.

كما قلت، كل شخص يعي نفسه وما حوله انطلاقاً من شبكة معانٍ ورموز يتنقل بينها، كلما أضاف إليها ثراءً جديداً فذلك سيدفعه نحو المزيد من الأشكلة والبحث عن الإجابات. حتى ولو لم تعلن هذه الاشكالات نفسها لصاحبها، فإنها ستحفر لنفسها داخل عواطفه وستتسلل إلى اللوحة في كل الأحوال.

تأثير تخصصه في الانتربولوجيا

لاحظت بالفعل أن أثر دراسة الأنتروبولوجيا بدأ بالظهور سريعاً في ما أرسم، إذ أن مجموعة من المخلفات الأثرية والرموز التي استعملها البشر في التعبير عن إشكالياتهم الوجودية الأولى مثل الولادة والموت، أثارت في نفسي نوعاً من الذهول، فاستبطنتها وتسللت إلى مخيلتي وحازت لنفسها مكاناً على الورقة البيضاء. أنا معجب بالرموز التي صاغها البشر قبل بداية التاريخ، قلْ من بداية الباليوليتي الأعلى إلى نهاية النيوليتي. إذ يبدو لي أن ما أنتجه الذهني البشري خلال هذه الفترة هو الأكثر أصالة في التعبير عن قلقه وذهوله أمام العالم.

أذكر مثلاً «فينوس الباليوليتية» الأنثى التي تلد دون تخصيب. على كل حال، يتشكل مخيال الأشخاص ضرورة من خلال الحقل الرمزي الذي يتحركون فيه، ومن المؤكد أن الأنتروبولوجيا ستجد موطئ قدم في ما أرسم، بإذني أو بدونه.

مثله الاعلى

سيكون الأمر مفاجئاً ولكنني لا أعرف الكثيرين من الرسامين، أو لعلي أميل إلى نسيانهم سريعاً. لا أدري لماذا. رغم ذلك فهناك رسام لا يمكن أن أنساه. وقد مثل اكتشافه صدمة بالنسبة الي وهو «بكسينسكي. أظن أنه يمثل مثلاً أعلى من ناحية أنه استطاع، كما أظن، التعبير عن تراجيدية أصلانية.


عمر الغدامسي