الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

فكر وإبداع



جدارية

تميمة «العالمية» في الفن


عمر الغدامسي

كتب الصديق الناقد والرسام المغربي محمد سعود منذ مدة على صفحته الاجتماعية ما يلي «سأطرح هنا ببساطة بعض ما هو سائد في المشهد البصري في العالم وما هو سائد في منطقتنا العربية بشكل فج جدا.. إن رغبت أن تجنى جوائز قيمة بالبيناليات الدولية فاتبع الاتي - اشتغل على فكره الجنس وخاصة المثليين بشكل رومانتيكي.. - اشتغل على استخدام المفردات والوحدات الزخرفية التراثية وخاصة تلك الموجودة في البلدان الاسلامية وبلدان الحضارات القديمة كمصر والعراق وسوريا واليونان وإيران.. استخدمهم بشكل معاصر بمعنى ضعهم فى سياق نقدي او سياق يعكس مقارنة ما بين أزمنة متفرقة..»- استخدام الزخرف والسجاد الاسلامي تحديدا مع بعض الخطوط العربية الكلاسيكية بشكل مختلف معاصر مثلا لف سجاد إيراني إسلامي على الأجساد مما يعني الحصار الجسدي والفكري. أو ضع على رأسك شيء من هذا... - استخدام البيوت والمدن المهمشة والمدمرة بفعل الحروب الجارية الان ومن الممكن أن تضع شيئا ما في وسطها أو يمكن ان تكون مجرد توثيق وضعها على جدار ضخم. - استخدام انابيب الاضاءة اكتب انا حزين.. اكتب انا هنا. أُكتب أي شيء. - استخدام لوحات كلاسيكية مشهورة واعمل فيها تحريفا أو إضافة معاصرة من واقعنا مثلا «موبيل» أو شاشة كمبيوتر او حرف لوحة بوتشيلي.. اعمل بأن تكرر العنصر الف مرة.. املأ الفراغ: الجدار أو الارض.. ضع صخورا ورمالا واكتب انها رحلاتك أو تاريخ الارض.. كرر أي زبالة أو اصنع هرما في شكل جبل من المخلفات».

بدت هذه الجمل في نص محمد سعود وكأنها «دليل نجاح او اختراق» لكل فنان يريد ان يدخل شبكات المعارض والمؤسسات العالمية... هل تريد ان تكون فنانا يحظى باعجاب المراكز الثقافية الاجنبية أو المؤسسات والبيناليهات في أوروبا أو حتى الاخرى النابتة في بلدان الخليج العربي، فها انني اقدم لك الوصفة، وهي في الحقيقة وصفة جاءت ثمرة استنتاج ومتابعة لمشاركات الفنانين العرب في تلك المعارض والتظاهرات التي تشرف عليها مؤسسات اجنبية سواء كانت تنتظم محليا أي في البلد الاصلي لذلك الفنان أو في عواصم اوروبية.

اذ هناك شيء او صور نمطية تتكرر من معرض الى اخر كصورة المرأة الشرقية بالحجاب أو صور المثليين بملامح وملابس محلية أو صور اعمال الخط و الحرف وما الى ذلك من طبخات تبدو مصرة على التكرار والحضور بفضل رعاية واموال منسقي تلك المعارض والذين يجتهدون على «تصبيرنا» داخل حقة سردين ليقولوا للمتلقي هؤلاء هم فنانون من بر العرب العجيب حيث القمع والتخلف والقرون الوسطى. الغريب في ذلك مثلا ان تجد فنانة تونسية تقدم نفس تلك الصورة النمطية عن المرأة في بلدها بنفس المواصفات والمضامين التي تقدم بها مثلا فنانة خليجية صورة المرأة في مجتمعها. لنكون بذلك وكأننا امام ترتيب مسبق وقفز على الخصوصيات والتراكمات الحاصلة داخل كل مجتمع، وذلك لمجرد الاستجابة لما يريده الاخر الممول. والذي يريد بفضل هذه الطينة ممن يدعون الفن استئناف ذلك الخطاب الاستشراقي والذي بدأ منذ حقبة الاستعمار بتكريس تلك الصور النمطية عن المرأة وعن مجتمعاتنا بتصويرها مجتمعات خارج التاريخ وساكنة كمتحف مفتوح تفوح منه رائحة التخلف والقهر وهو خطاب يكرس في العمق تلك النظرة الاحتقارية لشعوبنا وتبرر استعمارنا وكل اشكال الوصاية. لقد سبق لادوارد سعيد ان كتب بأن الاستشراق اختراع غربي. بمعنى ان ذلك الغرب يجد راحته الثقافية وطمأنينته السياسية والوصائية في جعلنا على تلك الصورة، حتى نكون بذلك نحن البرابرة الذين يجب اختراعهم، وفق الشاعر كفافي.

إننا امام خطاب خطير يقول الكثير ويعكس درجة عالية من الاحتقار فهو يقول مثلا اننا مجتمعات بلا فنانين بدليل ان ما يقدمه أولائك الممثلون لنا في تلك المعارض من ابناء جلدتنا هو اقرب الى الوصف الانتربولوجي حتى وان كان ضمن تخريجات وبوسائط تدعي التماهي مع تقنيات الفن المعاصر. حتى انه يمكننا القول في هذا الشأن بانه حقا لا جديد تحت تلك الشمس التي جمعتنا منذ عقود الاستعمار، وكأننا لازلنا واقعين تحت نفوذ خطاب اوغست بافي رئيس لجنة الصالون التونسي بتاريخ 13 أفريل 1898 بقصر الجمعية الفرنسية والذي تحدث فيه عن رغبة فرنسا في توطين فنانين فرنسيين وجعل تونس مركزا للفن الاستشراقي..» هل اذهب حتى الكشف في هذا الخصوص عن خواطرنا الاكثر حميمية، وهل افصح لكم عن غاية املنا وطموحنا هو ان نجعل من تونس المركز الحقيقي للفن الشرقي..» ليضيف وفي نفس الخطاب ما يكشف عن الوظيفة التي أوكلت للمحليين أي التونسيين الا وهي انقاذ الفنون الحرفية التقليدية... ذلك لان «هذه الارض المجدبة منذ قرون، أي تونس، والتي بدا كأنه مكتوب عليها ألاّ تعرف غير العمليات التجارية البدائية ان تظل محدودة الافق داخل المفاهيم الضيقة للروح السامية (ومنها المضاربة والربا)، هذه الارض تفيق فجأة تحت التأثير المخصب للعبقرية الآرية الخالصة والآتية من فرنسا».

لعل الشيء الوحيد الذي تغير و هو غير اساسي هو ان ذلك الاجنبي الذي لم يغادر ثقافته المركزية قد كف ولأسباب معروفة عن جلب جحافل فنانيه للاستيطان هنا ليغيرهم بآخرين من ابناء البلد الاصلي ليقوموا بتأبيد تلك الثقافة من خلال ما يسمى فنا، بعد ان تم افراغه من معانيه بل ومصادرتها لتكون مجرد امتياز واحتكار خاص به كأية تكنولوجيا اخرى فما معنى للفن اذا افرغ من عناصره الاساسية أي الحرية والفردانية واصالة الرؤية. ما الذي يتبقى من الفن وقد تحول الى ايديولوجيا والى سياق انتربولوجي والى طبخات جاهزة تكرس سموم الاستعمار الثقافي وكل اشكال الهيمنة. ما فائدة فن ينجز وفق وصفات تكتب في السفارات الاجنبية وفي مؤسسات تدعي الثقافة والتعاون؟!

السؤال الاساسي في كل هذا يخص جملة تلك الاوهام، التي لبست من يمارسون مثل هذه الادوار عن غفلة أو عن قناعة. هل يعتقد هؤلاء بأن الطريق الى العالمية والاعتراف بهم دوليا كفنانين يمر عبر هذه المسالك. شخصيا لا اعتقد ذلك بالمرة بدليل انه لا يوجد فنان واحد منهم تجاوز خط المشاركات الرسمية المدعومة من المراكز الثقافية الاجنبية او تلك التظاهرات التي تنتظم هنا أو هناك بتمويلات خارجية. فقط هم يلعبون ادوارا ووظائف مسطرة وثانوية إن لم نقل هامشية، ضمن لعبة لها علاقة بالتاريخ والسياسة والايديولوجيا، ولا تمت للفن بصلة ذلك ان للفن سياقات مختلفة وحصونا ومواصفات محددة يلتزم بها ذلك الاخر من خلال مؤسسات متحفية وفنية لها خبراؤها وقائمة على مواصفات مختلفة تماما.

اعرف انني في بلد يتقاسم فيه جل الفنانين نعمة الامية واعلم ان مفهوم التأويل لديهم والذي يعني تحريف المقاصد الاشد وضوحا وتطويعها، رياضة متوارثة وتنتمي لفكرهم الغيبي الذي لم يتوقف عن تأويل حتى وظائف جناحي الذبابة، لذلك ومن باب التدقيق من الضروري الاشارة الى ذلك التاريخ الذي يتكرر كمأساة، حيث ان ما كتبته لا يجب اعتباره موقفا مما يسمى بالفن المعاصر، ذلك لان حضوره وبالشكل الموصوف هنا، لا يختلف عن بدايات وتمثل فن اللوحة المسندية في بلداننا، مع فارق جوهري وأساسي قد يكون لصالح ذلك الجيل الاول من فناني الرسم المسندي، الا وهو فارق الثقافة بما تضمنته من تراكمات معرفية حول جملة المفاهيم التي تخص الاستشراق والأنا والاخر والتي كانت والى حدود بدايات القرن الماضي، غير واضحة او مجهولة او مفككة نقديا ومفاهيميا ولم تتبلور الا بداية من العقود الاخيرة مع مثقفين ومفكرين عرب وحتى غربيين.