الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

فكر وإبداع



في معرض للفنان سامي بن عامر

قراءة فنية..«إيقاعات أثيرية»



إذا سلمنا بأن اللوحة الفنية هي لحظة زمنية تستوقفنا وتجردنا من جميع السلط المحيطة بنا. فإنها بالضرورة تقتضي منا انتباها في مساحتها و الطريقة التي وظفت بها كلّ من الألوان و القيم الضوئية المتشكلة بين طياتها.

نتجول داخل المعرض فتشدنا هذه اللوحات المدججة بألوانها الحارة الممتزجة بألوان باردة تنم عن سكون لوهلة نستمد نفسا جديدا من عبق اللمسات الموظفة من قبل سامي بن عامر, و لعل ما يحفزنا على عدم المرور مرور الكرام أمام هذه اللوحات هو ما تزدخر به من ألوان تجذبنا بخصوبتها و كأنها تحملنا إلى مكان أبعد, مكان أكثر أثيرية إلى فضاء لا حد له و لا مدى. فعند الوقوف أمامها وهي تتخذ شكلا دائريا تحيلنا إلى الفضاء الخارجي بألوانها المتراوحة بين اللون الأزرق الغامق و الفاتح يتلاعب فيه ,(Vague d’azure)

الفنان بواسطة القيمتين الضوئيتين الأبيض و الأسود , حتمية كلما غيرنا منظويرنا إلا وتغيرت التعابيرالموجودة فيها تراها كتابة لا مقروءة ,جدول أسود ,عميق بعتمته تشكّل و كأنها من الحفريات القديمة ,تتشكل حينا فتكون حدا فاصلا واصلا بين اللون و الشكل لتحدث فرقا داخل هذه التركيبة تقصي نظرنا لوهلة لتوقظ بصيرتنا في نسق تصاعديا يقر بتساهل حركة تجول العين داخل أرجاء اللوحة وهذا ما يخلق نوعا من الأثير الذي يجمع بين الفنان و المشاهد.

فهذا الفنان يستقطبنا أو بالأحرى يستقطب أنظارنا بواقعية بسيطة تكاد أن تكون تجسيدا للكرة الأرضية في شكلها و كأنها نظرة من خارج الغطاء الجوي إلا إنه و بمجرد التقدم نحو هذه اللوحة إلا و تباينت لنا بعض المفارقات المرتكزة على بعد زمني و بعد منظوري في الآن نفسه ,فكلما نقترب أكثر نرى شيء جديدا, تتجلى لنا اللمسة الفنية التي تفرد بها سامي بن عامر و التي نلمسها و نحسها في التطور و البحث دائم, تارة لمسة و تارة لطخة , متقاربة متباعدة ,تلتقي في المركز فتحدث نوعا من التنافر و التجاذب, مجموعة لا تحصى و لا تعد عمد إليها الفنان, لتصطبغ بألوان متوهجة و ملتهبة في خطوط مبطنة بين طياتها الأبيض , كأنها تتستر وراؤها لتضمن تواجدها و كأنها التاريخ القديم , الزمن الجميل المحمول بذاكرته تتجسد في تلك اللحظة الهاربة في تستر تام عمّا يتعايش معها , نوعا من التستر, بين العتمة و الضوء و الإنارة و المنارة بين اللون و الأرض بين اليابسة و البحر بين الأزرق المتدرج يحملنا إلى فضاء خيالي, كما يقول الفنان «يتجلى فيها الضبابي و اللانهائي».

و لعل أسلوب بن عامر, المتدرج عبر كل مسيرته ما يتجلى في لوحاته, من حقبة إلى أخرى, ما نلحظه من هذا الأخير هو طريقته المميعة للون و الذي يضفي نوع من الحركية و الانسيابية التلقائية التي تساهم في بعث نوعا من الشفافية التي تبقينا في حيرة و تساؤل عن كيفية استعمال الفنان سامي للون هل كان لون مضاف أم أنه اللون القار فيها؟ وهل أن هذا السواد الذي تطرق له بن عامر مفاده العمق أم أنه عبارة عن تراكم أو بالأحرى ركام مما تركه الزمن اثر مروره ؟ ما الذي يجعلنا نتساءل و يحيرنا في التواجد في حد ذاته, فالأسود هنا ينقلنا في ذبذبة تارة إلى العمق و طورا إلى ألا محدود, يشرق من بين اللون الأزرق و اللون الأبيض ولا نجد أنفسنا في حالة عجز أمام هذه الظاهرة البصرية مفادها حملنا من عالم الملموس نحو عالم المحسوس .

تعددت اللوحات بتعدد الرؤى فيها, و كلما تتقدم في أرجاء المعرض كلما يشتد فضوليا أكثر فأكثر, فالأوان بأشكالها المتعددة و المختلفة تخطف أنفاسي أمامها لمدة زمنية أستلهم من ثنائية الحركة و الحركية المتواجدة فيها, حيث تسيطر عليك تلك الشخوص الموصدة فيها, الغامضة و المتعلقة بالحروف في الغالب حروف لا مقروءة, وأنا في مكاني لا « Rythme » أحرك ساكنا أنظر إلى تلك اللوحة بعنوان حروفها عربية حينا و لاتينية تارة أخرى, تتفاعل فيما بينها فتنشأ في نفسية المتلقي نوعا من المبحث أو بالأحرى نوعا من التتبع في ما يفرزه الظل و الضوء يحتفي بمجرد تنقلك, بمجرد تغيير المنظور, هذا هو العمل الإبداعي, هنا يكمن التحكم المطلق للفنان, هنا تتجانس الآليات فتتكامل, فتتألف,فتبرز, فتنتج, فتخرج إلى العلن, في حلتها المبتكرة. و ما الذي يميز فنانا عن الأخر و متى نتساءل عن الجديد في مسيرته لو لم نلحظ هذا التجدد المتواصل نحو اللامتناهي ؟

توجهت بالسؤال للفنان سامي بن عامر ببعض الأسئلة من ضمنها , لما كل هذا الاهتمام بالأسود في أعمالك الفنية المعروضة؟

فكان الرد بأسلوب سلس حيث قال «إن اهتمامي بالأسود في العديد من أعمالي الفنية ناجم عما يتضمنه من قدرة تعبيرية لتباينه القطبي مع الأبيض و لسلسلة رمادياته التي أستعملها سائلة, حيث أستغل شفافيتها لبناء فضاء حالم و لا نهائي». فقلت له « فماهي نظرتك الاستباقية كفنان, في ظل التطور النسقي في الممارسة الفنية كيف تصنف هذه العلاقة بينها و بين عالمنا الخارجي و ما الذي قصدته من خلال التعريج على النفاذ إلى ما وراء المرئي؟ فكان الرد على لسانه «إزداد يقينا كلما تقدمت في تجربتي الفنية, بأن الممارسة الفنية لعبة خطيرة تستمد من الكون مقوماتها و أوتارها لتفضي إلى عالم متغير لا يعرف إلى الاستقرار سبيلا, سائل كالماء من النبع, قادر على النفاذ إلى ما وراء المرئي».

إن ما ميز هذه التجربة الجديدة «إيقاعات أثيرية» عن غيرها في مسيرة سامي بن عامر أخص بالذكر معرضه «ذاكرة متجددة», نرى نوع من التحرر و القدرة عل تطويع المادة في تشكلها و في طرق توظيفها على غرار البحث المتواصل للفنان داخل «الذاكرة الجماعية», أولا و ليس آخرا يضع الفنان إصبعه على مربط الفرس,والتساؤل عن كيفية تكون البحث في ماهية الأشياء الكامنة في طيات اللوحات, هل هو اقتباس بصحيح العبارة, لما أراده الفنان بطريقته المباشرة أن يضعنا أمام العديد من المفارقات منها الأثر, الرمزية, الزمان و المكان, وهنا حقيقة أضيف رأي لرأي الأستاذ إبراهيم الحيسن من المغرب حين قال « يمارس الفنان لعبة الأثر باعتبارها ذاكرة للمحو, وذلك ضمن مجال التجريد التعبيري الذي تتفاعل فيه المتضادات لتبدأ الكتابات و الحروف المتشابكة في التحول و التشكل داخل تنويعات لونية خصبة راسمة بذلك مسالك المعنى على إيقاع تناسج المواد و اندماجها». فالفنان سامي بن عامر أحدث نقلة نوعية و متفردة في تاريخ الفن التشكيلي على الوجه الأخص وفي الأفق الإنسانية ككل.

النحاتة أمان الله بن ميلاد