الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

فكر وإبداع





العيش في الفن


تستحق الحياة أن تُعاش، على الأقل من أجل الفن. هي فكرة قد تبدو مقلوبة، إذ الفن فيها هو ما يبرر الاستمرار في الحياة وليس العكس؛ نحن نحيا من أجل أن يكون الفن ممكنا، ننتجه، نشعر بلذته، نستغرق في سحره، نحلق بأجنحته، تلهمنا خيالاته فرصا مختلفة للعيش بنضارة، تفتح لنا صوره أبوابا على جنات متخيلة.

ليس الفن حياة مجاورة فحسب، بل هو أيضا الحياة التي نعيشها خالية من شوائبها العابرة، الحياة التي يقترحها الفن لا ينقصها شيء. ومع ذلك فالنقصان والزيادة لا يمُتّان بصلة إلى العالم الذي يتشكل فيه الفن، فهما من المقاييس الأرضية والفن ليس نتاجا أرضيا محضا.

هناك شيء من الفن يظل عالقا في منطقة تقع بين الأرض والسماء، فكل ما يقال عن الإلهام الطبيعي والاجتماعي للفن لا يمكن أن يشكل إنكارا لعلاقته بعالم الغيب.

إن الموسيقى مثلا كلها رياضيات ولكن الرياضيات وحدها لا يمكن أن تنتج موسيقى، وجمال الرسم مستلهم من جمال الطبيعة، ولكن الرسم شيء والطبيعة شيء آخر، والشعر لغة، ولكنها اللغة التي لا تصدر عن التفاهمات الجمعية.

وهكذا يقع الفن في المكان الذي يخلو من الحياة، حياته مؤثثة بكل ما تحتاجه كائنات قدّر لها أن تضع حياتها في خدمته، ولأن الفنان الحقيقي لا يمكنه أن يعيش حياتين مرة واحدة -حياته الشخصية وحياته داخل الفن- فإنه يفضل أن يقيم في الفن باعتباره حياة مستقلة؛ حياة يتقاسم شقاءها ولذائذها مع كائنات من نوعه، تقيم في مكان خفيّ، لن يصل إليه أحد سواه.

لقد كان للهولندي كارل آبل كائناته التي التقطها من الحقول المجاورة لبيته كي يرحل بها إلى السماء، فصيحة ديك آبل يمكنها أن تصل إلينا أينما كنا مبللة بندى فجر لم ير شمسه سوى آبل وحده. يهبنا الفنانون أياما ما كان في إمكاننا أن نتمتع بشموسها في حياتنا العادية.

في أخلاق الفن

هناك بشر يخافون على الفن ويحبونه أكثر من بعض الفنانين. بشر لا نعرفهم بالأسماء، هم كائنات مجهولة تتعامل مع الصنيع الفني بإنصاف رفيع المستوى.

أناقة تلك الكائنات في التعامل مع الجمال تعلي من شأنه، فهم يردون إليه جميل صنيعه وهو الذي يسمو بأرواحهم حين يغمرها بالمحبة. الجمال بالنسبة إليهم هو فعل خير يرتقي بهم سلالم السعادة.

السعداء بالفن هم أكثر الناس استحقاقا للتقدير، ذلك لأنهم ينقلون الجمال إلى الآخرين باعتباره عدوى ضرورية من أجل أن تكون الحياة ممكنة بالرغم من صعوبتها.

الحياة صعبة لأن الخير قليل والحب قليل والجمال هو الآخر قليل. لذلك يفشل بعض الفنانين في أداء رسالته، إذ يغلب الكراهية على الحب حين يتعلق الأمر بنتاج الآخرين الفني. الكراهية لا تضيف شيئا إلى عالم يغص بالكراهية، الحب هو العنصر الوحيد الذي في إمكانه أن يُعيد تعريف الجمال في كل مرة يقع فيها.

الحب هو الذي يفتح الطرق واسعة أمام الجمال، ما من شيء يضع الجمال في المكان الذي يليق به مثلما يفعل الحب، أما الكراهية فإنها تدمّر الشعور بالجمال.

لا يعني التغاضي عن قبح الواقع محاولة لتزيينه، فالقبح لا يحتاج إلى جهد لكي يكون موجودا بقوة مرئياته؛ الجمال هو الذي يحتاج إلى ذلك الجهد.

رسامو القبح لن يضيفوا شيئا إلى تاريخ البشرية العاطفي، إنهم يفعلون العكس تماما، ذلك لأنهم يحذفون من الجمال أجزاء، ينتظرها البشر المحبون للفن بأعظم ما يملكون من مشاعر جليلة:

 


فاروق يوسف