الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

فكر وإبداع



في أعمال جديدة للفنان الهادي فنينة:

السراب الكامن في الأحوال وما يحفّ بها من الخيبات و انطفاء الأحلام..



الفن و الحياة بمتغيراتها و شجونها و آهاتها ..ثمة خسارات جمة و سراب..الانسان يمضي مع الحلم يرى الأشياء بعين الأمل و القلب و لكن أحيانا يقف عند انكسارات و خيبات تصير ملاذ الفنان الذي يلتقطها و يجعل منها مجالات اشتغالات فنية..

دلفين الحمامات ..الفنان عم الهادي فنينة في ورشته و معرضه المفتوح بالمركز التجاري و الترفيهي بالحمامات يحاور لوحاته و هو يشرح شيئا من تفاصيلها الى طلبة معهد الفنون الجميلة بنابل الذين عملوا بمرسمه بعنوان تربصات ..الحمامات بتواصيلها من البرج و المنازل و البحر و الأزقة و الغلال و غير ذلك من المشاهد و التفاصيل..

في لوحات جميلة بها مشاهد من غابات الزياتين و البرج و غيرها بدت عليها مسحة شفافة كأنها أنجزت في عنفوان و اشتداد الحر في الصيف وقت الظهيرة ..مسحة من السراب عمل عليها الرسام و كأنه يشير للسراب الكامن في الأحوال و ما يحف بها اليوم..السراب المحيل على الاقتراب المتعدد من الماء..من الينابيع..و لكن دون وصول انه السراب..الفنان فنينة يشير الى هذه الحالة من الخيبات و انطفاء الأحلام و لكنه يبقي على جذوة الحياة و ألقها المفتوح على الانسان و ذلك من خلال لعبة اللون و جمال المشهدية في اللوحة..

ماذا لو يأخذ فنان ما شكل أمكنة يدعوها الى لوحاته في لغة لونية بأسرها...الأمكنة و العناصر و التفاصيل و العطور...الحالات و الأحوال..نعم تلك هواجس الفنان الطفل في العقد الثامن من حياته التي طوع حيزا كبيرا منها للون و فتنة القول بالجماليات يرتجي شيئا من البهجة و السعادة و الدفء يهديها للانسان في هذا الكون الذي تتهدده رياح عاتية شتى....هي ألوان الحمامات المتعددة و التي تختلط لتشكّل علامات بامضاء عم الهادي..

التجربة التشكيلية في تونس عرفت بتميّزها من حيث تعدّد ألوانها وتياراتها وتجاربها، ذلك أنها نهلت من خصائص الحياة التونسية بشتى أطيافها وإنجازاتها إلى تيارات الحداثة الفنية التي عرفتها أوروبا والعالم بصفة عامة...من بين هذه التجارب نذكر تجربة الفنان التشكيلي الهادي فنينة أصيل مدينة الحمامات الذي قضى فترة من مسيرته في أوروبا وخاصة بألمانيا حيث أقام عديد المعارض، كما أنه برز مع آخرين منهم عبد الرزاق الساحلي وعلي بن سالم ضمن تجربة الاحتفاء بالخصوصية الفنية والثقافية المحلية بالخصوص...

الفن..و الحياة و الأسئلة.....عرفت الرجل من سنوات يمضي مع الألوان منذ طفولته الأولى لا يبحث عن شيء سوى أن يغوص في كنه الأشياء و التفاصيل و العناصر و كل ما من شأنه أن يمنحه شيئا من زاد الرحلة و الطريق..الطريق الصعبة و المربكة التي سلكها الى عدة بلدان و منها بالخصوص ألمانيا التي تلقى فيها و منها الكثير..الخبرة و الفن و النظرة للأفكار و البرامج و المشاريع..

كالألون على قلقها الدائم

لا شيء»... يأسره...

يعصر الحكايات و الذكرى

و من فكرة يكتفي بالسؤال الرهيب

هو من يسمع غناء المتروكين و المنسيين

أو ينتبه للكارثة

في قلبه أغنيتان :

الحمامات ....فلسطين

لذلك هو يلهو بالوجوه و الأمكنة

يقف عند اللوحة في جنون كالعاصفة

رجل تراه في القماشة بالحيرة العظمى

البحر موسيقاه و البرج محنة التاريخ لديه

.....ولكنه الطفل العابث

يحنو على الضوء يحمله الى

غرف القلب

و يطلق هيستيريا الضحك..

ساخرا من الأكوان مثل فراشات من ذهب الأزمنة....».

قي تجربته كانت هناك محطات خاضها « الدلفين » تجاه كائنات أخرى لا يهتم بها الناس و لا تخطر أحيانا على مخيلاتهم..أراها الآن في اللوحات بمرسم عم الهادي بالحمامات ..كائنات بأطياف أشكالها و ألوانها في حالات من الوله و الانتشاء ..هي سعيدة بنسيانها من قبل الآخرين..كائنات لا تعرف العناية و لا الفرح ..كان يحب الناس..الهادي فنينة ( الدلفين ) يذكر نصيحة أمه رحمها الله ( حين تتعب يابني اتجه نحو الطبيعة ..البحر والأشجار و احمل زادك و قارورة ماء..الفرار الى الطبيعة )..و هذا ما قاله الدلفين للسائح كنصيحة ..

في البحر الساحر للمدينة..يخرج الدلفين منتفضا من الأعماق ..الهادي هو ينثر الألوان في اللوحات منذ أكثر من نصف قرن يعود للمياه البحرية الصافية يستلقي على سطح مركب عملاق يطرح الأسئلة..حاجة الانسان للفن التشكيلي..و ما الفن قبل ذلك..و في ما يفكر الفنان المبدع و كيف يسوق فنه و كيف يعيش..و المتلقي للفن و الجمهور و ...بحر آخر من الحيرة التي تبرز على شاشة عملاقة هي تونس..

عندها يتأبط صاحبنا حزمة كتب يسافر معها..روايات ياسمينة خضرا الذي يجنن بفرنسيته الباذخة..ألبار كامي بفتنة سرده..غونترغراس ..نيتشه..و غيرهم..

هي لعبة الفن المحيرة التي نخرج من خلالها من الحكاية الى الأرض..حيث بساتين البرتقال و الزيتون التي يعشق عم الهادي أشجارها و جذوعها و أغصانها في حنان هائل لتغدو مثل بناته ..فنان يلاطف الأشجار و الناس و الألوان ...و لكن بجنون الفن و الابداع..الحكاية حقيقة بلون القلب..و القلب مجال للحب ...و ما الفن بالنهاية الا ذاك العناد الجميل و الدأب الكبير..و الصبر الأنيق...

في تجربته أطوار مسيرة لفنان يمضي مع الناس ويتناغم مع ايقاعهم ويسعد مثلهم بالبهاء التونسي عبر العناصر و التفاصيل و الأشياء الجميلة و الفن هو هذا الذهاب عميقا في المغامرة الجمالية المعنية بالناس في شؤونهم و شجونهم..الهادي فنينة أحب الحمامات بناسها و بحرها و رباطها و عطورها و زرقتها و تاريخها و أكثر من ذلك بكونها قطعة من هذي البلاد الجميلة ..تونس..

 

 


شمس الدين العوني