الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

فكر وإبداع



جدارية

ما أوسع الثورة، ما أضيقَ الرحلة..ما أكبر الفكرة، ما أصغر الدولة


عمر الغدامسي

من الواضح أننا بلد على صفيح ساخن ، و أن هناك من بدأ يدق الطبول من الآن لحسم معركة انتخابات 2019 ، و ذلك ليس فقط في مجال السياسة والاعمال والاعلام بل وأيضا في مجالات اخرى مثل الفنون، حيث ان هناك شيئا ما يحدث ولا يحتاج لشبح هاملت ليخبرنا بحقيقته، ففجأة اصبح الفن المعاصر في تونس محل إهتمام إعلامي فرنسي وذلك في صحف كبري هي «لوموند» و«مجلة دروو» ففي الصحيفة الاولى كتبت روكسانا ازيميري مقالها تحت عنوان «الفن المعاصر التونسي لا يزال ينتظر ثورته» أما المقال الثاني فكان بقلم ستيفاني بيودا وكان تقريبا استنساخا لنفس العنوان الاول «تونس، سوق الفن تنتظر ثورتها». المقال الاول بني من خلال مقدمة وصفية وبرقية حول تونس ما قبل 14 جانفي 2011 ، أي خلال فترة حكم بن علي وسياسته وصوره الشخصية وبوليسه ورقابته وهي تبدو كمقدمة أقرب إلى المسمار الذي علق في الهواء، والذي ينتظر صاحب خيال جامح يتكفل بربط ذلك المسمار بحبل (المثال بتصرف من قصيدة لشاعر شعبي تونسي من الجنوب) نقول هذا لأنه لا توجد علاقة بين ما حملته تلك المقدمة و بين موضوع المقال. وكان بالامكان أن تكون العلاقة موجودة لتأكيد أن هناك شيئا ما تحقق او تغير على مستوى الفن المعاصر وفنانيه في تونس. فهل كان بن علي يجبر مثلا الفنانين علي رسم صورته، هل أطلق بن علي بوليسه لمطاردة الفنانين وهل كانت هناك صنصرة لمعارض فنية في عهد بن علي؟! لو كانت الإجابة بنعم فهذا يعني اننا نعيش مناخا جديدا أطلق الطاقات بفضل الثورة، بينما ما نعلمه أن فنانينا كانوا يعيشون في عزلة اختيارية وأشبه بالمقيمين الأجانب في بلدهم، أما اعمالهم الفنية فهي تعرض في فضاءات بجمهور محدود وإذا حصل وأن حملت بعض الأعمال تأويلات نقدية أو إحتجاجية فهي تبقى منعزلة في نطاقها الضيق ومستفيدة من المكانة النخبوية للفن. طبعا يهم بعض الفنانين عدم الاقتناع بهذه الحقيقة ونحن ننتظر ما يثبت عكس قولنا ، في الأثناء يمكنهم الاستمرار في صناعة مثل هذه الاكاذيب المنافية لما تقوله الحقيقة ، والغريب أن البعض وجد في مسألة الرقابة والصنصرة ترياقه المناسب في كل زمان لكسب تعاطف الاخر الفرنسي والذي سيصيبه الجنون لو فشلنا في تكريس الديمقراطية، حيث قالت واحدة من المستجوبين في مقال جريدة « لوموند» ما يلي «الدولة لا تريد فعل شيء وهي لا تتركنا نفعل» وهي المتحصلة من وزارة الشؤون الثقافية على 80 ألف دينار لملتقاها الفني، وفق قولها وفي نفس المقال المذكور. فبين التعطيلات الادارية وما نصفه بالبيروقراطية وخاصة في مجال صرف الاموال وبين إرادة ما في المنع أو التهميش لسبب سياسي أو إيديولوجي فارق عريض و شاسع، مما يجعلنا نشكك أصلا في القدرات الاتصالية وأهداف أمثال هؤلاء ممن يصرفون الكلام دون تمعن وفي وسائل إعلامية كبرى مثل جريدة «لوموند».

المقال الثاني بـ«مجلة دروو» والذي اهتم أغلبه بواقع سوق الفن في تونس وفق شهادات لبعض الفنانين وأصحاب الأروقة فإنه حمل عنوان فرعي «الغائب الكبير ، الدولة» وفيه ذكر للقوانين التي تحول وفي صبغتها الحالية دون تطور سوق الفن التونسية، وهذه حقيقة نتفق معها، ولكن ما يثير الشك هو غياب الجانب الموضوعي أو لنقل الاحترافي في المقال، والذي كان يتطلب أمرا بسيطا و هو إجراء إتصال في الشأن مع الدولة فهي حاضرة على الأقل كادارة و مصالح ، أما الاكتفاء بنقل آراء الفنانين دون سواهم ، وهو جانب لا نشك في أهميته، فإنه قد صنف ما كتبته «مجلة دروو» كمقال موجه.. لقد خرجنا جميعا قبل 14 جانفي 2011 و قلنا ما نريد وما نحلم به وهم كانوا يريدون منا ذلك وينتظرونه منا ، كأننا سلعتهم في مزادهم غير العلني ، والنتيجة يعرفها الجميع، وهي ما نعيشه اليوم بآلام كبيرة، كان بالإمكان أن تكون أقل لو تركونا لمصيرنا .

هناك اليوم محاولات جدية للاصلاح على مستوى الدولة فقريبا، سيصدر التعديل الخاص بقانون خروج الأعمال الفنية و بيعها و عرضها بالخارج، ولكن في المقابل فإن هناك ملفات أخرى حارقة تحتاج للاصلاح و النجاح أو الفشل في ذلك لا يخص الدولة فقط، بل يخص الفنانين أيضا وأحسن مثال على ذلك القانون الأساسي للفنان ، والذي عاد الى الاقجار، بعد أن تحالف البعض من أصحاب المصالح ضده وهم من الفنانين أو ممن يجمعون الفن وادارة وكالات تعليم الفنون على قارعة الطريق، فتغيير القوانين وإصلاحها، لا يمكن فصله عن معركة اساسية وهي من صميم ما يسمى بالمرحلة الانتقالية بصعوباتها وكوابحها و موروثها.

بعد ثورة 14 جانفي 2011 ، بادرت بعض السفارات الاجنبية (الفرنسية و الالمانية خاصة) بفتح مجالات العرض لفنانين تونسيين في باريس وبرلين وقد جعل هذا الامر بعض فنانينا يعتقدون بأن أبواب العالمية فتحت لهم وكان ردنا على ذلك بمقال عنوانه «الدخول الى متاهة الالدورادو من بيت القصب» ( نشر بتاريخ 4 اكتوبر 2011) وقد ضم في خاتمته هذه الفقرة التي أراها ذات معنى الى اليوم «مادمنا ضمن هذا الوضع الانتقالي سيأتي إلينا من يريدون الاستثمار في الثورة باسم الفن لتسويق صورنا بالخارج، ليس من باب جعلها أعمالا متاحة ضمن سوق الفن العالمية ذلك أن الارباح والأتعاب تم تأمينهما عبر المؤسسات الراعية والمستشهرة.

شخصيا سألبّي دعواتهم وسيفعل ذلك الجميع، هذا اذا كانت لنا أعمال يمكن تأويلها كإنعكاس للثورة.

أما الأهم من ذلك فهو علينا ألاّ ننسى بأن لنا بيتا علينا ترتيب اثاثه ومحتوياته الداخلية، حتى نتمكن من ان نكون في وضعية فنانين ينتمون لمجتمع حر تحترم فيه المواطنة والحقوق والواجبات.

مجتمع يحظى فيه الفنانون كغيرهم من القوى الناشطة بقوانين وآليات وبنى معاصرة وفاعلة».

إنها خاتمة لمقال صالحة لما بدا لنا اليوم شبه خطاب جديد و قيد التشكل لدى بعض فنانينا، ممن و دون سابق اعلام بل و في وقت متزامن مع صدور المقالين المذكورين، أخذوا يشكلون ثنائية جديدة قائمة علي وجود الدولة ووجودهم هم، وذلك دون تحديد وتعيين للمسألة وعما إذا كان هذا التقسيم يشمل الدعم المادي لانشطتهم المستقبلية وعما إذا كان يمثل موقفا من الدولة بمفهومها المجرد، أي كل دولة ومهما كانت تمثيليتها ( سفارات، مراكز ثقافية، بيناليهات ...الخ ) أم هو يخص الدولة التونسية دون سواها.

ضمن لغة المزايدات والتفكير المرتجل الذي أصبحت عليه البلاد منذ عاصفة 14 جانفي 2011 ، يمكن للبعض أن يجد راحته في مثل هذه الدعوات المطمئنة و التي لم تعرفها تونس في أتون حالة الإنحباس السياسي والمجتمعي قبل 14 جانفي 2011. لكن أين مسؤولية مثل هذا الخطاب تجاه اصلاح القطاع و ما يحتاجه من قوانين تفعل سوق الفن و تتيح بعث مؤسسات فنية معاصرة. هل يمكن إرساء وترسيخ قطاع فني منشود دون دولة وفنانين وأصحاب الاروقة ونقاد وباحثين؟! أم أن الامر يتعلق مرة أخرى بالدورادو لا توجد إلا في الخيال أو بمنطق أكثر وضوحا خذوا الفن الحديث واُتركوا لنا الفن المعاصر وهذا تقسيم تونسي بحت يخص معني جوهريا غير قابل للتقسيم، ألا وهو معنى الفن. لم أجد عنوانا لهذا المقال غير هذا البيت الشعري لمحمود درويش من ديوانه «مديح الظل العالي» والذي يلخص الجوهرالذي لا يجمعنا والفوارق التي تفرقنا، بتكثيف شعري وبدقة حد سيف الساموراي.