الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

فكر وإبداع



رؤى

سيرك المدن المهجورة


إن الجهة التي سعت الى وضع القنوات الفضائية في مرتبة الوحي الذي لا يخطىء هي نفسها مَن كان لها دور كبير في الحد من تطور علاقة الإنسان العربي بالفنون.

بعكس الوضع الطبيعي الذي يعيشه البشر من حولنا في هذا العصر المتغير، فإن علاقة العرب بالفنون صارت تتردى مع الوقت. بدلا من أن نرتقي السلم صرنا نعد درجاته الهابطة إلى الاسفل. في هذه المنطقة بالذات نحن اليوم أسوأ مما كنا عليه في الأمس. آباؤنا كانوا أفضل منا.

ليت الامر يتوقف عند هذه الدرجة من التردي، فهناك الكثير من المؤشرات التي تنبىء بوضع عصيب ينذر بخطر الانشقاق عن الفن، بل وتكفيره وتجريمه واعتباره من الافعال الآثمة. هناك قوة على الأرض لا يستهان بها صارت تعمل بحرية وبشكل علني على تسييد قيمها الظلامية. وهي القيم التي تتناقض كليا مع موقف الفنان باعتباره منشئ عمارة قوامها قيم تستلهم ضرورتها من حيوية الإنسان الخلاقة، باعتباره وريثا للجمال.

بدلا من التباكي، علينا أن نذهب إلى الواقع. الارقام التي تشير إلى وضع الفنون التداولي يمكنها أن تكشف عن الحالة الكارثية التي وصلت إليها الفنون في الوطن العربي. قاعات السينما في تناقص. المسارح هُجرت. قاعات العرض التشكيلي تنحسر (باستثناء ما يجري في دبي، حيث توظف تجارة الفن لأغراض غير فنية). ما من متاحف. هناك متحف واحد ووحيد للفن العربي أقيم في واحدة من أكثر المدن العربية هامشية. كثرة المحطات الفضائية العربية أمر لا يدعو إلى التفاؤل. فغالبا ما يتكون جمهور التلفزيون من الاميين الذين لا تحتاج عملية غسل أدمغتهم إلى كثير من الجهد. لذلك فقد غطست تلك المحطات في بحر هائل من الكذب، من غير أن تلتفت إلى أحد..

وكما أرى فإن الجهة التي سعت الى وضع القنوات الفضائية في مرتبة الوحي الذي لا يخطىء هي نفسها مَن كان لها دور كبير في الحد من تطور علاقة الإنسان العربي بالفنون. ولو تفحصنا ظاهرة الأمية، باعتبارها واحدة من أعظم علل هذه الامة، وهي الظاهرة التي تقف بين الإنسان المبتلى بها وبين الانتقال إلى عالم الثقافة، لاكتشفنا أن دولا حباها الله بثروات غير محدودة، لا تستطيع أن تنقذ مواطنيها من ذلك الداء، بالرغم من انها تشيد مدارس وجامعات في مختلف انحاء العالم. فهل يُعقل أن هناك اميين في السعودية ودول الخليج الأخرى؟ أليس مخيفا أن تتزايد أعداد الاميين في عراق اليوم، بعد أن كانت منظمة اليونسكو قد اعلنت ذلك البلد عام 1973 مكانا نظيفا من الامية؟

هل كان الغرض من تحجيم الفنون يكمن في محاولة صناعة مواطن أبكم واصم، يكون دائما تحت السيطرة؟ سيقال ان هذا السؤال ينطوي على نوع من التحامل. هناك أموال كثيرة قد انفقت في المجال الثقافي وبالاخص في العراق وليبيا ودول الخليج. هذا صحيح. ولكن تلك الأموال قد تم هدرها، من غير أن تكون عاملا مساعدا لبناء بنية تحتية، تكون بعدها الثقافة عاملا مشتركا بين الناس. كانت الاستعراضات بما يرافقها من تطبيل وتهريج اعلامي هي كل ما يهم المسؤولين عن ذلك الانفاق الاسطوري. كان الفنانون والادباء فقراء في العراق في الوقت التي كانت فيه دولتهم تنفق الملايين من الدولارات من أجل استضافة ادباء وفنانين قادمين من مختلف انحاء العالم. اما ليبيا فقد حصرت همها الثقافي بعبقرية الاخ العقيد. في حالة دول الخليج فإن التشدق بـ(28) الفا من البشر كانوا قد زاروا (أرت دبي) في احدى دوراته يكشف عن خيبتنا، ذلك لأن عدد عمال البناء والنظافة في ذلك الملتقى الفني (التجاري بامتياز) قد يكون أكثر من عدد الزوار. في ساعة واحدة يمر أمام (موناليزا) من الزوار ما يوازي ذلك الرقم أو يزيد.

البؤس الذي نحن فيه يُراد له أن يكون واقعا نفتخر به.

ففي الوقت الذي صارت فيه مدن عربية عظيمة مثل بيروت والقاهرة ودمشق وبغداد عاجزة عن مواجهة أسرار قوتها الداخلية، صارت مدن، لا يزال فقرها الخيالي واحدا من أهم شروط بقائها تعلمنا طرقا مبتكرة في استجلاب الفن باعتباره مادة مؤقتة للتسلية. سيرك كان جيف كونز قد قبض نصف مليون دولار من أجل المشاركة فيه. وليس هناك أكثر من مهرجان (ابو ظبي السينمائي) دلالة على ذلك. لو انفقت الاموال التي تم هدرها على اقامة ذلك المهرجان من أجل اقامة معهد لتدريس السينما، لكنا اليوم قد كسبنا عددا معقولا من السينمائيين الاماراتيين.

ولكن الشكل غير المعنى.

كانت هناك قوة هائلة تكافح من أجل أن نصير أميين.

بعد صعود حركة النهضة في تونس والاخوان المسلمين في مصر اصبح الفن في مواجهة الدين. وهي معركة مفتعلة كما أرى، غير أنها أنها بدأت . فدعاة (الاسلمة) لا يمكنهم الاعتراف بأن الدين والفن انما ينبعان من موقع واحد: عالم الغيب. وقد تكون تلك الحقيقة هي مصدر هلعهم وخوفهم من الفن. إن استولى رجال الدين على سلطة المال فإنهم لن يبنوا سوى كاتدرائيات خاوية، مساجد لا يصلي فيها أحد. أتذكر أنني أثناء اقامتي في الدوحة وحين كنت أصف الطريق إلى بيتي لشخص ما واقول له انه يقع بالقرب من المسجد، كان ذلك الشخص يضحك، ذلك لأن ما من بيت إلا ويقع قريبا من مسجد أو أكثر.

في مواجهة حلف من هذا النوع سيكون على الفنون أن تعلن استسلامها.

ابدو متشائما. بالتأكيد.

غير أنني في المقابل لا أزال اثق بالفن، باعتباره ضرورة إنسانية. هناك حاجة إلى الفن، مثلما هناك حاجة إلى الدين. الفنانون العرب يعيشون وضعا سيئا، في الوقت الذي يستولي رجال الدين فيه على قصور الحكم. سيقع صراع غير متكافىء. غير أنني على يقين من أن الدين لن ينتصر، ذلك لانه (من خلال رجاله) سيجعل من الناس عبيدا لغير الخالق. فالدين كما يُطرح اليوم لن يكون خالصا لله. هو مادة للاستهلاك اليومي، أكثر من كونه وسيلة مثالية للارتباط بالقوة المطلقة. لقد انتصر مبدأ العصابة أخيرا. وصار العرب موزعين بين الملل. كل قوم بما لديهم فرحون. بالنسبة إلى الفن فإن ذلك كله انما يمثل حالة من العبث بالمصائر.

ولأن الحرب المعلنة على الفن لن تتوقف، فسيكون على الفنانين في الايام القادمة أن يلجؤوا إلى فضح الكذبة. كل هذا الحديث عن رعاية الفنون ليس سوى كذبة. كان الاستعراض هو الهدف. ما حدث في العراق وفي ليبيا، يتكرر في الامارات وفي قطر، وإن اتخذ أشكالا مختلفة. في كل ما يجري ما من شيء له علاقة بالفن الحقيقي. بل أن اللجان التي تُؤلف من أجل اقامة نشاطات فنية، تمتلك حساسية خاصة، تجعلها قادرة على تمييز ما هو حقيقي وصادق وعميق من الفن لتطرده بعيدا. هي ليست حربا دينية، بالرغم من أن الدين سيساهم فيها بحيوية، بقدر ما هي حرب تشنها قوى البلاهة والرداءة وهي ذاتها القوى التي صارت متمكنة سياسيا، بعد ما شهده الوطن العربي من تقلبات أثناء ربيعه. صارت الحركات الدينية قدر المواطن الذي ذهب إلى صناديق الاقتراع من أجل انتخابها. وهو قدر لن يحكم الفنانون بمجانيته. سيدفع الجميع ثمن ذلك الخيار الديمقراطي مثلما دفع الالمان ثمن خيارهم الديمقراطي في ثلاثينات القرن العشرين. في الحالة العربية يعول الكثيرون على المال، كونه سيلعب دورا كبيرا في تأجيل لحظة الحقيقة. و«لكننا ننتحر» هذا ما سيقوله الفن.

من أجل ألا تقال تلك الجملة تقام كل تلك الاحتفالات الاستعراضية. علينا أن نصدق أن هناك أموالا طائلة تنفق من أجل أن يبقى الفن في غيبوبة. لن يصدقني أحد. ومع ذلك، وبالرغم من كل هذه الاموال التي تنفق من أجل الثقافة، فإن علاقة الناس بالفنون تتردى وتتدهور. سيكون علينا أن نبحث عن السبب في علم الجينات والوراثة!

 

 


فاروق يوسف