الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

فكر وإبداع



الراهن والروحاني في أعمال التشكيلية. ليلى السلماوي

كسر أغلال الأكاديمي



يرتبط الفعل الجمالي – بشكل قوي- بالتأمل والتفكير، حيث يحضر العمل الفني كإنعكاس للعملية التأملية التي تحدث داخل ذهنية الفنان، هذا الأخير الذي يسعى إلى إعادة تمثيل العالم، بطريقته الخاصة، ولا يبتغي هذا التمثيل نقلا مرآويا ونسخا حرفيا، بل إنه تمثيل ذاتي للمواضيع الخارجية. إذ ما هو إلا انعكاس للذات الخلاقة التي ينطلق منها المبدع، تلك الذات التي تعتمد على التأمل والإبداع، في تداخل جمالي وفكري.

من التأمل وإعادة إبداع /خلق العالم تنطلق الفنانة التشكيلية التونسية ليلى السلماوي لتشكيل أعمالها الصباغية، من أجل التعبير عن ثنائية العالم الخارجي والعالم الداخلي، هذا الأخير الذي ما هو إلا عالم الذات الفنانة بالتحديد. تعتمد السلماوي في جل أعمالها على تلوين فضاءاتها التي تتحد معها شخوص آثارها الجمالية. تتعين تلك فضاءات عبر الألوان التي تلتحم وتمتزج مع الرسم، وهذا الأخير الذي ما هو إلا نتاج لحركية اللون، لا الخطوط الكرافيكية وحسب. فالصور الصباغية عند هذه الفنانة، في أغلبها خالية من البعد الثالث. إذ العمل الفني عندها يتجسد باعتباره مساحة مسطحة عامرة بالألوان، التي تعين المشاهد والشخوص. وإن كان البعد الثالث ضرورة عضوية داخل بناء العمل، فإنه في هذه الحالة، يتم خلقه في لاوعي المتلقي، بشكل تلقائي، خارج بنائية العمل. وما تجاوز الفنانة له إلا غاية في تجاوز كل ما هو أكاديمي وجاف، يكبح الغاية الإبداعية التي تتكئ عليها لخلق العالم من جديد.

ليس في عمل السلماوي أي نقاط أو خطوط التلاشي أو تقطيع هندسي أو مشاهد متسلسلة، ولا احترام فيه لقواعد المنظور، حيث أنه عمل جمالي ناتج عن عزل الأشياء والشخوص، إلخ عن كل المركبات الواقعية والخيالية، فقط عبر الفضاء تولد الأشياء، أو بالأحرى يتم الإلقاء بها في ذلك الفضاء، حيث لا تحتاج لأي بعد ثلاثي لتعلن عن تواجدها ووجودها فوق مساحة القماشة. تشكل هذه الفنانة التشكيلية أعمالها الصباغية في تنقل بين التجريدي والشبه التجريدي، لا تنتصر للأول ولا تقيم دائما في الثاني، ليلى المحبة للسفر والتنقل، ما أن تبدأ عملا حتى تتناقل ذهنيا جيئة وذهابا بين المدرستين، وبفعل اشتغالها على اللون – في ابتعاد واضح عن الأشكال المباشرة – يقع المتلقي في تخبط وتشتت يمنح للعمل سلطته عليه، سلطة اللاتحديد واللاإمساك واللاقبض.

سؤال اليومي والراهن:

العمل الفني للسلماوي حرّ إذن، وصعب القبض عليه، إنه بالأحرى قاعدة لشخوص مجهولة الهوية والملامح إنهم جماعة تنحدر من الأنونيموس إنهم الكل واللاأحد في الآن عينه، أو بالأحرى إنهم الواحد المتعدد، ذلك الواحد الذي لا يعرف له أصل ولا هوية. من هذا اللاتحديد تسعى ليلى لرسم ملامح الواقع، هنا والآن، ملامح أحداث العشرية الحالية، ما بعد الثورات التي شهدتها المنطقة، والتي لا يزال صداها ينتشر في صدر العالم، كأنني بهذه الفنانة في احتجاج دائم على الأوضاع القائمة، احتجاج مَراده إلى ما مالت إليه كل تلك الأحلام التي جاءت محملة على أكتاف الشباب، مدججين بالياسمين، أكتاف شباب مجهولين، إنهم هم هؤلاء الأنونيموس الذين تضعنا الفنانة التشكيلية أمام انعكاساتهم المرآوية المضببة والظلية. تسعى إذن ليلى السلماوي لإرباك المتلقي، عبر وضعه زهاء عشرات الأسئلة التي يطرحها العمل الفني العامر بتلك الشخوص المجهولة والمشاهد الضبابية. فهذه الفنانة التي يسكنها سؤال الراهن والتعبير عنه فنيا، وجدت ضالتها في تلك السيلويتات (الرسومات المبهمة والظلية) التي يضج بها العمل الفني عندها. إنه نوع من الاحتجاج بإسم الكل وباسم اللاأحد، احتجاج شفاف ومربك.

تنحدر الفنانة من جيل التشكيليين التونسيين الذين عايشوا العهود السياسية السابقة بكل قسوتها وقيودها، وعايشوا احتجاجات الشعب ومطالبه بالتحرر والانعتاق، وما زالوا يزامنون ما بعد الثورة ومخلفاتها السياسية على المشهد التونسي والمنطقة بكل أبعاده، لهذا فآثار كل هذه المراحل تكاد تكون واضحة على العمل الفني لدى هذه الفنانة، إلا أنها آثار غير مباشرة ولا تفرض ذاتها على عملية الإبداع بالشكل الكامل، بل تأتي كضرورة مرحلية كان لزاما على الفنانة أن تتطرق إليها، من أجل التعبير عن ذاتها التي راكمت مجموعة كبرى من المشاهد الناتجة عن هذه المراحل الزمنية التي عايشت تطورها وتركت بصماتها في ذاكرة الفنانة.

إذن، لا يمكن فصل المبدع عن واقعه السياسي والثقافي والاقتصادي والتاريخي، فهو نتاج كل هذا وغيره. وما عمله الفني إلا امتداد بصري لهذا الواقع، إلا أنه لا يخضع له ولا يطاوعه بالكامل، إذ أن العمل الفني يظل عالما مستقلا بذاته. لهذا نجد كثافة كبيرة من الحرية تعرفها لوحات السلماوي، فخلوها وانعتاقها من قيود الأكاديمية وقواعد المنظور يجعل منها حرة في الطرح والمعالجة وكيفية المناقشة للقضايا الراهنية. فالفنان المعاصر بات اليوم مسكونا بشكل جذري بأسئلة الراهن والهامشي والمهمش والعابر والزائل. هذه الأسئلة التي تسعى للكشف عن كنه العالم، وتصوير الحقيقة التي لا تنفك تعرف أوجها كل يوم.

من اليومي إلى الروحاني

من عبثية اليومي وسلطة الراهن تشكل ليلى السلماوي أعمالها، إلا أنها تتحرر قدر المستطاع من تلك الثنائية، حينما تعلي من الملامح التجريدية في أعمالها، عبر تلك الكتل الصباغية المجردة، حيث يخلق اللون عوالم الأعمال، ويشكل الشخوص والأشكال. فيغدو بالتي كل لون لحنا موسيقيا داخل سيمفونية اللوحة ككل. فالموسيقى «الكامنة في فطرة الإنسان» تجد لنفسها تمظهرا بصريا مكثفا عبر الألوان في أعمال السلماوي. ولأن الشكل لا يجد لنفسه أي وسيلة للخروج إلى الوجود والعالم إلا عبر اللون، فإنه يتماهى وإياه في أعمال هذه الفنانة. لكن لا يسعني إلا أن أعلن أن أعمال فنانتنا غنائية، بقدر ما هي موسيقى أو معزوفات أوبرالية، تُجَسّدُ البعد الروحاني للفنانة. الموسيقى تعبير عن روحانية الإنسان، عن اللاملموس فيه وعن الذي لا يستطيع التعبير عنه بالكلمات والألوان، إلا أن الفن الصباغي (الرسم باللون) يعتبر ركيزة ومحورية الفنون الأخرى، إنها تحوم في فلكه، إذ يستطيع أن يجسدها ويمزجها في حركية الألوان التي تسعى للتعبير عن أي روحانية وعن المستحيل لمسه والنظر إليه. لعل ليلى السلماوي أدركت هذه النقطة بالتحديد، فاختارت أن تعبر عن اليومي والهامشي والراهن عبر «روحانية اللون»، فاللون كما يخبرنا جوهان إتنْ «هو الحياة، لأن العالم بلا ألوان يبدو لنا ميتا. فالألوان هي الأفكار الأصيلة، أبناء الضوء ومضاده، الظل، فهما معا يشكلان ميلاد العالم»، فعبر الألوان «نعلي من العقل والروح الحية للعالم».

السياسة والفن

يجد الإشكال بين التصوير الصباغي والطبيعة، أو الواقع، اليوم نقاشا حادا في عالم الفن في البلدان الناطقة بالعربية، في ظل العودة إلى التشخيص بعد طول سطوة التجريد، لهذا وجد جيل الألفية الجديدة، وليلى السلماوي جزء منه، نفسه أمام ضرورة الإجابة على هذا الإشكال، لهذا توجت أسماء فنية عدة إلى الجمع بين الاتجاهين داخل قالب تصويري يكسر قواعد المنظور ولا يبقى رهينا لها، وكان الشبه التجريدي، أو الشبه التشخيصي، الوسيلة المثلى لتحقيق التوالم بين الروحاني المجرد والواقعي. لهذا فاشتغال ليلى السلماوي داخل هذا الحقل هو سعي للتعبير عن داخليتها والعالم الخارجي الذي يتغير باستمرار وبلا توقف.

إذن فأعمال ليلى السلماوي هي تعبير صباغي عن العالم الداخلي للفنانة والعالم الخارجي في تمازج جمالي بين البعد الروحاني والواقعي. وما العمل الفني لديها إلا انخراط استتيقي في المشهد السياسي والثقافي الراهن، إلا أنه انخراط تتحكم فيه استقلالية الفنان والحرية التعبيرية التي تتولد عنها الأعــمال الفنية، فيصير الفنان ملتزما بالفن، لا مدعوا للانخراط السياسي المباشر، إنه سياسي بالسلب/ بالفن. لهذا سعي الفنانة السلماوي لطمس ملامح شخوصها الصباغية فلغاية جعلها تعبيرا عن الكل واللاأحد في الآن نفسه، إنها تحتج بالفن إذن.

 


عز الدين بوركة