الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

فكر وإبداع



جدارية

من هو الفنان الجيد؟


عمر الغدامسي

اذا كنت ترغب في بعث رسالة، شكوى أو مطلب ما، وتعوزك اللغة أو الأسلوب وعدم القدرة على صياغة الديباجة، فإنّه يمكنك اقتناء ورق وزيري كما يسمى وظرف أصفر ثم تقصد تلك الأمكنة التي توجد بها محلات الكتّاب العموميين. بعضهم بلا مكاتب لذلك يمكنك إيجادهم في البلديات الكبرى والمعتمديات او حتى بباب البنات حيث قصر العدالة وما يحيطه من مكاتب المحامين و عدول التنفيذ.

صحيح أن عددهم ينخفض من سنة الى أخرى... الاّ أنهم موجودون ويمكنك تمييزهم عن بقية خلق الناس. وأنا أتحدث هنا عن أولائك المرابطين بمكاتب البلديات ومراكز الخدمات العمومية التي يقصدها الناس لتقديم المطالب والشكاوى. أعرف صديقا قديما ذهب الى أحد تلك المراكز لإيداع مطلب ما، فقصدته امرأة عجوز وطلبت منه بكل لطف وبكثير من الدعاء أن يحرر لها مطلبا هو عبارة عن شكوى لوكيل الجمهورية. استجاب الصديق لهذه العجوز وبعد أن حرر لها الرسالة سلمته حفنة من القطع المعدنية... حصل ذلك بالصدفة، بمحض الصدفة، لكن صديقي القديم أصبح منذ ذلك اليوم كاتبا عموميا، بعد أن أعيته البطالة وأكلت ضلوعه... سمعت بعد فترة أنه أصبح مغرما بكتابة الشعر. وهذه مسألة أخرى، قد تجعل منه كاتبا متجوّلا في سوق الندوات والامسيات الشعرية وهذه أيضا مسألة أخرى.

ضمنيا جميعنا نعرف معنى أن يكون هناك كتّاب عموميون، ولعل بعضنا التقى واحدا أو عشرة منهم. لكن هل التقيتم في حياتكم بفنان عمومي؟ أي رسام عمومي. الامر يثير الاستغراب أو هذا ما أعتقده. البعض سيخلط بين الفنان العمومي والمصوّر العمومي الذي نلتقيه في الاعياد والاعراس وفي عنقه صندوق البلارويد وهو ينادي: صورة في دقيقة... لا... لا... أنا أتحدث عن فنان عمومي بعلب الألوان والفرشاة والتريبونتين وزيت الكتّان.

سألتكم عن معنى أن يكون فنان ما فنانا عموميا حسنا سأجيبكم، فأنا في الحقيقة و بصفة ما مطلع على هذا الامر، ودون ادعاء او مخاتلة اعترف بأنني اوظف بعضهم، تماما كما يوظف شخص ما حفنة من الصناع الصغار. ميزتي في ذلك هي انني أعرف كيف أساعد الفنانين على التخلص من أعباء وأثقال أرواحهم، فهي أرواح متعبة، مثقلة بالكدمات والجروح، ملوثة بماء النرجسية الآسن حينا وبماء الاحباط المالح حينا آخر.

في الاول اخترت لهم مصير ان يكونوا فنانين متجولين. كنت أحملهم الى الدشر والقرى. وهناك اعطيهم القماشات وعلب التلوين والفرشاة، وبعد ان يتموا عملهم كنت اسقيهم واطعمهم، ليس من جيبي طبعا، بفضل هذا كانت اعمالي ناجحة فإستقدام رسامين اقل كلفة من استقدام سيرك بقردته وفيلته وهو ايضا اقل كلفة من استقدام فرقة موسيقى شعبية، هل تعرفون من هم الفنانون الذين نجحت في جعلهم في فرقتي وتحت امرتي.. لا فائدة من الاجابة، وانا عموما لا اريد ذكر هذه المسألة تحديدا، اللعنة عليهم جميعا، ذلك انهم مع الوقت أخذوا يناقشونني ويطلبون مزيدا من الاموال، قلت لهم ان ما نفعله نشاط ثقافي.. تقريب الشعب من هذا الفن الذي عليه ان يغادر نخبويته.. سألوني: حسنا اين هي لوحاتنا، وكموقف مبدئي مني لم اجبهم حتى لا اصدمهم واجعلهم امام حقيقتهم العارية وحجمهم الطبيعي. فأن تكون فنانا متجولا، فهذا يعني ان تبيع سلعتك على الرصيف وأن يشتريها الحريف دون ان يسأله عن الضمانات تماما كما يشتري سلعة تايوانية من سوق سيدي بومنديل.

بعد انتفاء اسباب بقاء فرقة الفنانين المتجولين، تفتق ذهني عن فكرة بعث مشروع الفنانين العموميين، وما منع هذا المشروع شيء اساسي وبسيط إلا وهو وجود مكان ثابت وهذا عكس ما يحتاجه الفنان المتجول، والمكان جعلته يحمل اسم فنان هو الان في ذمة الابدية، كان يرحمه الله مثلي الاعلى فيما يجب ان يكون عليه بقية الفنانين.

في ذلك، حققت ولأول مرة في تاريخ هذا البلد فكرة الفنان العمومي، الذي آتيه بماعون الصنعة، واشير بإصبعي نحو أحدهم مرددا.. انت ايها الفنان الملهم هل رأيت ذلك الجالس في تلك الزاوية، انه شخص بائس يجلس هنا يوميا يشرب ويشرب ومع ذلك فإنه يعتقد انه عاجز عن فقدان صوابه، هل يمكنك تحقيق ذلك، ارسمه وهو فاقد لصوابه وتلك الجالسة في اقصى القاعة، انها تعتقد انها ممثلة موهوبة وربما تصلح لمسابقة ملكات الجمال، هيا أيّها الرسام حقق لها ما تريد.. وذلك الصديق الوفي كالكلب، سيجزيك بما تريد لو رسمته، كما يرسم كبار المعلمين، اصحاب البلاطات وكبار اللوردوات.. هكذا كنت احرر مطالب من يقصدونني، بفضل فريق من الفنانين العموميين. هكذا راجت تجارتي وعمها الخير واصبحت ذا شأن في عالم الفن وسوقه.

كنت اسيطر على كل ما هو من حولي وخاصة على ارواح تلك الكائنات الغبية والهشة، مرات بالشفقة والتسامح وغض البصر واحيانا اتركهم ينغمسون في اوهامهم التي تشحذ عزيمتهم رغم انكسارها ومرات يأتيهم عقابي كريح عاصفة وموجة عمياء.

لم يتوقف الامر عند هذا الحد، فقد وضعت الاقدار امامي من اكتسبوا بفنهم بعض الشهرة والمكانة، كانوا يأتون الي متوددين راغبين في تصريف لوحاتهم لحاجة ما. فكنت استقبلهم واكرمهم واغدق عليهم دون مقابل. ادفع ثمن سهراتهم وشرابهم بعد ان احجز لهم طاولات مخصصة لهم دون سواهم. اميزهم عن فرقة الفنانين العموميين الذين اديرهم فلا اطلب منهم رسم هذا أو ذاك. بعد مدة تصبح تلك الطاولات التي خصصتها لهم بيوتا لا يغادرونها الا مثمولين، و هذا يعني ان مصاريف سهراتهم تفاقمت وهذا يعني ان فصل جني الحصاد قد قرب، فيبدؤون يعرضون لوحاتهم علي لشرائها لدفع ديونهم. فأقبل العرض مبتسما، بعد مدة يقتنعون بأنني اقتنيت لهم ما يكفي من اللوحات لتكوين مجموعة فنية خاصة بي، وهذا يعني ان اقتناء لوحات اضافية لهم امر صعب واذا حصل فهو يندرج في باب المساعدة والاخذ بالخاطر وعندها يصبحون يعرضون علي لوحاتهم بأسعار بخسة فقط لتغطية ديون طاولاتهم. اقبل الامر مرددا في نفسي: لقد اصبح موسم الحصاد قريبا جدا واكاد اراه. لست بالنذالة التي تتصورونها فانا وعندما يصلون الى هذه المرحلة اصبح اكثر كرما وسخاء معهم، فأغدق عليهم انواعا لم يعرفوها من المشروبات المركزة واسقيهم منها بلا حساب، ومن باب المسؤولية كنت في المقابل انبههم الى مخاطرها وما تسببه من تلف سريع للكبد والشرايين. من المؤسف انهم لم يكونوا يعيرون كلامي ادنى اعتبار. وكان هذا يؤلمني كثيرا ويجعل صورتي امام نفسي اقرب الى هيأة ذلك الكائن الاسطوري الذي كان ينقل في قاربه الناس من عالم الاحياء الى عالم الاموات. كنت امام نفسي اشعر بالخزي وكأنني احرك عقارب ساعة اجالهم. يا للشيطان الساكن في اعماقي.. ومع ذلك كنت استمر واسقيهم من تلك المشروبات المزيد والمزيد، لماذا افعل ذلك.. لاجيبكم بصراحة. لقد كنت اساعدهم بذلك ليكونوا هم الفنانين الجيدين، والفنان الجيد هو من غادر عالمنا، تلك هي حكمتي، وكان يحصل ذلك مع كل واحد منهم في فترات متباعدة وكانت بذلك تتأكد صحة حكمتي، عندما يزورني اناس مجهولون بعضهم قدم من وراء البحار، افتح لهم خزائني ليشتروا لوحاتهم وبأسعار عالية.. مرة بعت طاولة كان يجلس عليها احد اولائك الفنانين الذين اغدقت عليهم من نعمتي وقد ترك على سطحها توقيعه وكان سعرها مقبولا بالنسبة الي.