الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

فكر وإبداع



جدارية

فنون و أزمنة


عمر الغدامسي

في غضون الاسبوع الثالث من شهر مارس سنة 1936 زار علي الدوعاجي المعرض الرابع الذي تنظمه سنويا الشبيبة المدرسية ليوافي بعد ذلك وتحديدا بتاريخ 31 مارس 1936 جريدة الزمان عدد 325 بمقالة حبّرها تحت عنوان «الفن يتقدم». مرّت الآن 73 سنة وحفنة أسابيع وها أن الرغبة تدفعني الى استعادة ذلك المقال بحثا عن أولائك الذين كتب عنهم علي الدوعاجي في ذلك الزمن، بحثا عن أعمالهم في الرسم أو في النحت وبحثا عن علي الدوعاجي نفسه في زمننا وهو الذي أنهى مقالته تلك بالفقرة المعبّرة التالية : «ونقول بهذه المناسبة انّ الفن نبع ينفجر من جهة يجهلها الاساتذة وأهل النظم و«القوانين الاجتماعية» ولا نستبعد أن يكون في الشيّالين والخماسة والحمالة حكماء وشعراء وعظماء مدفونون تحت طبقات من فقر وجهد وأشياء لا تذكر».

بدت لي هذه الفقرة مندرجة ضمن نقاش وسجال عاشته الحياة الثقافية التونسية منذ 73 سنة. لذلك أراد الدوعاجي أن يدلي بدلوه في الموضوع إنه الموضوع الذي لا يصر فقط على الحضور بالابقاء على الاشخاص أنفسهم والذين سماهم علي الدوعاجي في مقالته تلك بالاساتذة وأهل النظم والقوانين الاجتماعية... بإصرارهم على المراوحة في نفس المكان رغم تبدل الأزمنة والافكار.

في مقالة علي الدوعاجي بحثت عن نحات يدعى رشيد بالما. وقد عرض في المعرض المذكور نحتا يمثل رأس امرأة جلّها من الطين الطري. وهذا النحات هو من مشايخ الزيتونة، أي من أهل الفقه والنحو والصرف على حد تعبير علي الدوعاجي الذي يصف منحوتته قائلا: «فاجأنا بها مثالا كاملا للإتقان حين لا يكاد يصدّق من يراها أن صاحبها شيخ معمم لم يدخل بعد أية مدرسة للنحت ولم يختلط بالنحاتين بأي شكل» ذلك ما قاله الدوعاجي، لكن لماذا لم يطرح نفس السؤال على أبي القاسم الشابي والطاهر الحداد وغيرهما من مشايخ الزيتونة الذين اعتنقوا الفكر الإصلاحي وتمردوا على الفكر التقليدي؟ لماذا لم يستحضر الدوعاجي نفسه وهو الذي يصفه المقربون منه في تلك الحقبة بأنه كان فنانا يحسن أصول التصوير وفن الحفر... هل ان هذا النص الذي بين أيدينا هو عبارة عن أوتوبرتريه أيضا؟... اننا نكتب عن أنفسنا وعن صورنا مثلما تجلت حقيقة في الآخرين... الكتابة انتماء أيضا.

هل يمكننا اليوم أن نتخيّل شيخا زيتونيا مغرما بفن النحت أو التصوير؟ من البيّن ان هناك جرحا عميقا يسكن عقلنا الثقافي منذ عقود. ألاّ تتطور طبيعيا، فذلك يعني أنك في الاخير كائن غير طبيعي، ربما كنا محكومين بهذا النمو غير الطبيعي أو هكذا صوّر لنا الطريق ونحن بحالة الذهول والحيرة والرعب... حداثة أم تخلف.

أرغب في تخيّل هيأة ذلك الشيخ الزيتوني النحات. فيتجلى لي أحيانا كشبيه لذلك الشيخ الازهري البوهيمي الذي لا تغادره الضحكة الهازئة والتي تتردد في ثناياها الحكمة القائلة: «اننا فقدنا عالما دون ان نمنح امكانية عالم جديد» انه الشيخ الزيتوني في أفلام يوسف شاهين.

حتى نفهم معنى أننا فقدنا عالما قديما دون أن نظفر بعالم جديد أعود الى مقالة علي الدوعاجي، وهو يتوقف أمام لوحات حاتم المكي وعلي بن سالم بوصفهما من الفنانين الشباب آنذاك فيعتبر أن علي بن سالم في لوحاته رسم الحياة التونسية بطريقة الشرق ويقول «هذه المرة يعرض مجموعة من هذا النوع تمثل تونس في خصوصياتها. واعجابنا به أنه رجع بصوره الى مائة عام حيث كان الشعب يلبس السراويل والفرامل الملوّنة وحيث لم تظهر بعد هذه الجبة التي تخفي قوام الشيء».

في المقابل، بدت له أعمال حاتم المكي كالآتي : «انه يغرق في اتخاذ الطريقة العصرية في التصوير وهي بلا شك لها قيمتها وجمالها الاّ أنّ أنصارها في الشرق لا يزالون من القلة بحيث لا يجد بينهم الفنان العصري المجال الذي يسعه».

ذلك ما يقوله علي الدوعاجي ليضيف: «على الفنان أن يكون حرّا يفعل ما يشاء». لكن هل يمكننا تحديد سقف الحرية ومدى قدرتنا على لمس قبّتها المتلألئة بالنجوم؟!. بين علي بن سالم الذي يعيدنا الى حياة التونسيين قبل مائة عام وحاتم المكي المغرق في اتخاذ الطريقة العصرية، سيقف شخص هو أشبه بالتحري السري في شريط هوليوودي، ليجول في دهاليز الارشيف والاوراق الصفراء وفي ذكريات من تبقى من تلك الازمنة، بحثا عن شيخ زيتوني مارس النحت ووفق ما ورد في مقالة نشرتها جريدة الزمان بتاريخ 31 مارس 1936 بقلم علي الدوعاجي اسمه رشيد بالما... هل يمكن للمعنى أن يتجاوز ما قد يحمله كنش ذلك التحري السري من معلومات؟