الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

فكر وإبداع





جماليات الانزياح وأساليب البناء الشكلي في «السواعد السّمر»



في جولة بين «أروقة الفنون» كان هناك عمل تشكيلي للفنان سامي بن ابراهيم ، تحت عنوان «السواعد السمر»، المحمل عبارة عن إطار من الخشب فوقه بلور شفاف، بينهما ورقة طُبِعَ عليها شكل آدمي باستعمال الحبر الأسود وتقنية الطباعة البارزة التي سبقتها عملية الحفر على قطعة من الخشب. أول ما شدّ بصري وبصيرتي في هذا العمل المتناول بالتحليل هو الأسلوب التشكيلي القائم على مفهوم الانزياح والذي تم تجسيده عبر الاختزال، التمطيط، التضخيم، التسطيح، التشويه والتحريف وهو ما جعلني اتخذ من أسلوب تفكيك الجزء من الكل سبيلا أنفذ به إلى بواطن التركيبة التشكيليّة لشكل آدمي لا يحمل جنسا واضحا كما لا يتكون من أعضاء جسدية سليمة.

يتركز اهتمامي في مرحلة أولى حول شكل اليد اليمنى المرتخي من المنكب إلى الأصابع في اتجاه الأسفل واليد العليا خير من اليد السفلى وفي نشاط اليد الضغط باليمين والسحب باليسار والمصافحة والصّفْحُ باليمين وأداء اليمين حقا وباطلا باليمين، واليد المعطيةُ خير من الآخذة كما أن الساعد اليمين أكثر دلالة على العطاء والمساندة في العمل ثم الولاء والطاعة والجهد والاجتهاد. وتتكون هذه الأخيرة من خمسة أصابع رخوة، هشة تشعرنا بالوهن والضعف والفتور والخنوع والخشوع والطاعة على غير ما تحيلنا عليه دلالات اليد من قدرة على التسيير وسلطان وسلطة، وهو ما جعلني أقارن العمل بالنظر إلى الوضع السياسي التونسي.

إذ أن الفنان تونسي الجنسية وهو شاب في الثلاثينات من العمر وبالتالي لا يمكن فصل العمل الفني عن حاضر وماضي ومستقبل الفنان وخاصة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدينية التي تمر بها البلاد التونسية إثر ما يسمى بـ«الربيع التونسي». وهو ربيع قاحل وعقيم إلى الساعة، تسبب في شلل اقتصادي وصدام بين العامة والعوام المنتسبين لليمين واليسار. بالإضافة إلى المكر والدهاء السياسي في تفصيل حيل لصوص اليمين وحيل لصوص اليسار ممّا خبل عقولهم وأعمى عيونهم وأفسد نواياهم، فعاندوا وخالفوا الأمم في السير نحو الوراء، وهو ما نستشفه من بتر اليد اليسار وشلل اليد اليمنى في الصورة، ولا أظن أن الفنان قام بذلك بشكل اعتباطي وانما لغاية في نفس كائن حي يفكر وينتج. ولليد مفاهيم دينية عميقة تفيد الخلق ولنا في ذلك قول الله تعالى «من خلقت بيدي» في سورة البقرة وأول سورة الاعراف وسورة الحجر وغيرها. وتفيد اليد كذلك القوة والقدرة الخارقة لإلاه «يطوي السماء بيمينه» 1 ، كما تفيد مفردة اليد التسيير و المراقبة فـ«يد الله فوق أيديهم» 2 . بالإضافة إلى أ ن اليد اليمين في القرآن والسنة بركة وخير وفير للناس فلما خلق الله آم مسح ظهره بيمينه فأخرج ذريته وقال هؤلاء للجنة ثم مسح باليد الأخرى وقال خلقت هؤلاء للنار كما ورد في كتاب الترمذي في تفسير القرآن، فضلا عن أن تسلم صحائف الأعمال يوم القيامة باليمين صفح وغفران. وأن كل هذه المعاني الخارقة والمثالية مناقضة للمشهد السياسي التونسي بشكل خاص والعربي بشكل عام وهي كذلك على نقيض ما جاء به العمل المتناول بالتحليل.

أما ثانيا، فقد انتقلت للرأس المتجه نحو الأعلى بنصفه اليسار حال الانتهاء من اليدين. و الرأس في كل شيء أعلاه وفي العلوي درجات للمحافظة على الثبات غير أن هذا الرأس الفاقد لهويته الجنسية وبالتحديد النصف اليسار في حالة سيلان وذوبان تجعله رخوا لا يثبت على حا ل ، كما تفقده مقاييس حجم وشكل الرأس الطبيعي. ويحمل هذا النصف المشوه ملامح الوجه المبهمة والتي تتمثل في الحاجب والعين اليسار وهي مغمضة ونصف الأنف المضخم ونصف الفم المصغر، المغلق، وهو ما جعلني أتساءل عن المعاني التشكيلية لنوم اليسار وشلل اليمين وسيلان الدماغ أثناء محاولة فك أشفار لغة التشكيل المخيم عليها الصمت بما هي لغة الانطلاق وصولا إلى لغة الرمز بما هي لغة استنطاق الدلالات والمعاني التشكيليّة الخفية للعمل. وان الملفت للانتباه على مستوى الرأس هو شكل الدماغ السائل في اتجاه الأذن المضخمة والتي تصل هي الأخرى في نهاية سيلانها إلى أسفل العنق الطويل والرقيق. والأذن مسمع قابل لما يقال، يستوي فيه المذكر والمؤنث والمفردة والمثني كما أنه أحد سبل التذوق.

أما الدماغ فهو حشوُ الرأس من الأعصاب وفيه المخ والمخيخ والنخاع، وهو سبيلنا في التفكير والتميز بين الصواب والخطأ وبالتالي هو المسؤول المباشر عمّا يصدر منا وعنا من أفعال وأقوال. كما أنه ذو أهمية فائقة إذ يقال هجرة الأدمغة للدلالة على هجرة العلماء والمختصين في مختلف فروع العلم. وبالتالي يمكن القول أ ن في سيلان الدماغ غيبوبة عميقة تفسّر موت وسكون ملامح هذا الأدمي العاجز عن التعبير بالملامح إذ أنه مغمض العين والفم وهو غير قادر على التواصل والعطاء. وقد ثبت هذا الأرس إلى جذع أدمي يتوسطه عنق نحيف وطويلة متماسك في اتجاه الأعلى وهو صلب البنية الخطية ويعتبر هذا الأخير جسر التواصل بين الحامل والمحول وما بينهما من معاني ودلالات تشكيل آية بينة وخفية.

وعموما، تتشكل هذه التركيبة التشكيلية المنزاحة عن الوقع بواقع آخر ، تشكيلي، ذاتي خاص بالفنان وهو أكثر واقعية من الواقع، يتكون من جملة من الثنائيات المتقابلة والمتكاملة والمتماسكة في ذات الحين كالداخل والخارج، الجلي والخفي، الظاهر والباطن، الملء والفارغ، اليمين واليسار والأبيض والأسود. وتتشكل هذه الثنائية المترابطة ببعضها البعض عبر نسيج من الخطوط المتواصلة، المنحنية، الصلبة، الغليظة والرقيقة التي يمتد نسيجها الديناميكي، البصري في مختلف الاتجاهات. أما في ما يتعلق بغياب اللون فقد عمد الفنان التشكيلي سامي بن ابراهيم إلى التلاعب بالمساحات الضوئية، إذ أن غياب اللون يقابله حضور كثيف للقيم الضوئية. أما بالنسبة الى عنوان العمل فلا أعرف حقا من منا المتكلم ومن منا الساكت غير أني كنت استمع في ذهني لكلمات وألحان أغنية « يا أم السواعد سمر يا تونس الخضراء» بصوت صلاح مصباح وأنا أعي في داخلي جيدا أن هذا العمل ينزف وأنزف معه لما أصاب البلاد والعباد من وهن..

 

 


عفاف النوالي