الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

فكر وإبداع





أشباح ماركس: عن الصورة واستلاب الذات والآخر



في قراءتنا لماركس، غالبا ما ننسى أطروحته عن دمقريطس وأبيقور، كما نتناسى كتاباته الرائعة في مرحلة الشباب، التي تم إنكارها في تلقي فكره، خاصة بعد توجهه إلى الاقتصاد السياسي وبناء النظرية الاقتصادية والسياسية الماركسية. لكن، أربعين سنة بعد تفكّك المنظومة الاشتراكية، وتصدُّع آخر معاقلها في آسيا وأمريكا الجنوبية، ودخول أحزاب اليسار الماركسي واليسار الجديد في رحلة البحث عن هوية مغايرة وأكثر تزامنا وتلاؤما مع التحولات المتسارعة الراهنة التي يعرفها العالم، تحدونا الرغبة في أكثر من أي وقت مضى في مساءلة «أشباح ماركس»، أي صوره الأليفة والمرعبة التي تسكن «لاوعينا» السياسي والفكري، وليل أحلامنا الموؤودة... فبعد أن أعاد لنا جاك درّيدا القدرة على الجهر بماض أحببنا فيه الرجل، ها نحن، خارج أحاسيس الحنين أو التأسّي، نسعى إلى استعادة ما أخفته عنا «الماركسية العلمية» بموضوعيتها الزائفة وعلميتها الخادعة، بعد أن علّمنا تطور المعارف ألاّ موضوعية خارج الذات والذاتية؛ وأن الكثير مما أقبرته تلك الخدْعة، في كتابات ماركس، لا يزال بنظرته الثاقبة، قابلا لأن يفسر العديد من الظواهر الجديدة التي صار فيها الخيال ماديا والسلوك افتراضيا، والبنية التحتية تبْني ماديتها في الطوابق العليا للبنية الفوقية...

أشباح ماركس في ليل الحاضر

حين كتب جاك دريدا أشباح ماركس (أفضِّل هذه الكلمة على كلمة «أطياف» في الترجمة العربية للكتاب) في أوائل التسعينيات، كان يسائل حضور فكر الرجل الذي سكن القرن التاسع عشر برمته والقسط الأكبر من القرن العشرين. وحين نستعيد هذا الحساب البسيط والطفولي، ندرك أن نبيّ الطبقة العاملة هذا، قد عاش فكريا وعاطفيا وسياسيا في قلب وجود الإنسانية ما لم يعشه كبار الفلاسفة والمفكرين (باستثناء الأنبياء منهم). إنها معجزة الفكر حين يتحول إلى ممارسة فكرية ويومية في الآن نفسه. وفعلا، فإن دريدا يضع الأصبع على الخوف الذي تركه شبح ماركس في مجتمع انتقم منه بشكل جذري قاتل بقتله لمفهوم الثورة، خاصة بعد سقوط جدار برلين (الذي كان يحمي رمزيا وجود العالم الآخر المغاير). إن اغتيال مفهوم الثورة يأتي من خوف المجتمع الغربي المكتئب والعصابي، المتشبث بهوس ليبراليته المتوحشة، من عودة الفكر للعصيان. وحين يقتل الفكر الليبرالي بشتى أشكاله عدوّه اللدود، ويجهز عليه في مختلف معاقله، ويلاحق شتى ترسباته، فإنه يجد نفسه من غير عدو يمنحه صورة عن نفسه.

إن اغتيال ماركس يظل هنا فعلا ناقصا، لسبب بسيط هو أن القاتل يظل مسكونا بالخوف من المقتول، ويحس أنه يسكنه ويقض مضاجعه في ليله وسكونه. لهذا يظل شبح ماركس دليلا على وجوده، متجولا هنا وهناك، في مسارب الليل المعتمة. يغدو ماركس هنا أشبه بالملك المقتول الذي يزعزع سكينة هاملت وهو يتمشى على أسوار إيلسنور... وبما أن القاتل عاجز عن الحداد على قتيله، فإن جثة ماركس، كما في أفلام الرعب، وكما يشير إلى ذلك دريدا، تتململ مرَّةً مرةً معلنة عن رفض موت الثورة، أو على الأقل موت فكرة الثورة وروحها.

الاستلاب المنزاح ووفرة الصور

ولأن كل شبحٍ وطيفٍ وخيالٍ صورةٌ (كما جاء في لسان العرب)، فإننا سنحْيي هنا شبح ماركس بشكل مغاير، في قوته الفكرية التي لم تطلها يد الاغتيال. فما قتل الغرب من ابنه الضال كارل ماركس هو ماركس الشيوعي السياسي النضالي، أما ماركس الشاب، المفكر والفيلسوف، فإنه لا يزال يحيا حرا طليقا في حضن الفكر الفلسفي... سنعود إذن إلى مفهوم الاستلاب كمفهوم إجرائي لم يفقد أهميته أبدا لا كمفهوم في بعده الفلسفي ولا في مضمونه الاقتصادي. ونحن نتذكر أن لوسيان غولدمان، في تأويله البنيوي التكويني للماركسية، قد اشتغل كثيرا على هذا المفهوم، أسوة بديلثي في كتابه عن الرواية.

لنقرأ ما يقوله ماركس الشاب في مخطوطات 1844 عن الاستلاب: «... إن العامل هو إزاء منتج عمله في العلاقة نفسها التي يكون فيها إزاء شيء غريب عنه (...)، فكلما أنتج العامل في عمله أشياء خارجة عنه، كلما صار العالم الغريب والموضوعي الذي يخلق أمامه قويا، وكلما أفقر نفسه؛ وكلما صار عالمه الداخلي فقيرا، صار لا يملك حقيقة ما. والأمر نفسه يسري على الدين. وكلما زاد ما يضع الإنسان في الله من أشياء قلَّ ما يحتفظ به في نفسه. يضع العامل حياته في الشيء. لكن الحياة لم تعد له، إنها تنتمي للشيء. إن استلاب العامل في منتجه يعني ليس فقط أن عمله يغدو شيئا، ووجودا خارجيا، وإنما أن عمله يوجد خارجه، في استقلال عنه، غريبا عنه، ويصبح قوة مستقلة عنه، وأن الحياة التي منحت للشيء تقف ضده عدوانيةً وغريبة عنه».

يمكّننا هذا التحديد الدقيق من إدراك تطور مفهوم الصورة باعتبارها إنتاجا ماديا ورمزيا في الآن نفسه. فحين كانت الصورة تقنية بسيطة ميكانيكية كانت أشبه بالعمل الفردي الذي يتحكم فيه المصور ويحصل منه على نتيجه منتجه ذاك. ذلك هو حال الصورة الفوتغرافية كما حللها والتر بنيامين في مطلع القرن الماضي تحليلا لا يزال مرجعيا إلى يومنا الحاضر. بيد أن الصورة صارت صناعة معقدة ومركبة، دخلت في إنتاجها سلاسل كثيرة من التطورات التقنية (السينما، التلفزيون، الحاسوب، الهاتف المحمول، الأقمار الاصطناعية، الصورة التركيبية، البعد الثالث، الخ)، وصار سوقها اليوم أهم وأكبر من سوق الأسلحة بل والسوق النووية نفسها. الصورة غدت اليوم مركبا عالميا ضخما للإنتاج والتداول والاستهلاك وإعادة الإنتاج (الاستنساخ)....

وبما أن إنتاج الصور صار مصنعا كونيا ضخما، فإن كل واحد منا صار ينتج منه جزءا طيلة حياته اليومية، مساهما بذلك في رواج الصور. وإذا كانت الصناعات التقليدية (السيارات والطيارات وغيرها) تنتج نفايات، فإن تلك النفايات تخضع للرسكلة، وبعضها يعاد تصليحه للاستعمال أو لحفظه في المجموعات التحفية الخاصة أو المتاحف التي تحفظ ذاكرة تاريخ السيارات أو الطائرات وغيرها. والأمر نفسه ينطبق على تاريخ التصوير والصورة، فهي أيضا لها ذاكرتها ومتاحفها. لكن الأمر صار معقدا اليوم، أي بالضبط منذ ظهور الصورة الرقمية والكاميرات الرقمية ثم الهواتف ذات الكاميرات الرقمية. فالتضخم الذي يعرفه الوقت الراهن في إنتاج الصور صار أمرا مدوخا، لا للذاكرة الجمعية فقط بل بالأخص للذاكرة الفردية، ذلك أن وفرة الصور التي ننتجها يوميا وبشكل فردي، تنضاف إلى الوفرة القاهرة للصور التي تنتجها المؤسسات البصرية، التلفزيونية منها وغير التلفزيونية...

بكل بساطة، صار منتج الصور يعيش وضعية استلاب إزاء ما ينتج، لأن ما ينتج صار لا ينتمي له، ويعيش خارجه كقوة مستقلة لها سوقها ومساربها وذاكرتها ونسيانها...

قوة الصورة وعدوانيتها

ونحن نستعيد تحديد ماركس للاستلاب لنطبقه على علاقتنا بالصور، نبني مشروعيته على مقارنته المقتضبة للإنتاج المادي بالاعتقاد الديني. غير أننا سنترك أمر الجانب الديني إلى حيز آخر، لنسائل هذه الديانة الوثنية الجديدة (رجيس دوبري) التي صارت تتحكم في مصائر الإنسان المعاصر في مختلف أطراف المعمور.

إن مفهوم الاستلاب هذا يجعلنا نكتشف معه أن الصور بقدر ما نستعملها في حياتنا اليومية بقدر ما تصير قوة مستقلة عنا، تقدم عنا حياة تبدو وكأنها حياة شخص آخر غيرنا. من ناحية أخرى، صارت الصورة تلتصق بجلد المرء تتابعه في حياته، فينصاع لسلطتها انصياع العبد للسيد. فسواء كان ذلك بتقنية «السيلفي»، أو بواسطة الآخر، صارت الصورة حاضرة بين ظهرانينا مثل لص يتتبَّع تفاصيل يومينا. وليس أدل على ذلك مما نطلع عليه في شبكات التواصل الاجتماعي (إنستغرام، تويتر، فايسبوك واتساب...) من لقطات حياة الناس، تذكرنا بتلك السلسلة الأمريكية (Person of Interest) التي تحكي صراع منظومتين للتصوير تلتقطان بشكل متصارع حياة الناس وتتدخل فيها وتغيرها كما لو كانت إلاها فاعلا لا يكتفي بمراقبة مخلوقاته بل يغير مصيرها في الهنا والآن.

حين قال رجيس دوبري بأن عصر الصورة هو عصر وثنية جديدة، كان يعني بالضبط أننا صرنا عبيدا وعابدين للصور. فنحن ننتج الصور، نراها تستقل عنا مباشرة لتصبح صورا في ملك الآخرين (أي يراها ويتملَّكها الآخرون)؛ بل إننا أصبحنا ننتج الصور لا لمتعتنا وتلقّينا الشخصي وإنما لمتعة وتلقي الآخرين، أي بغرض التواصل بالصورة عوضا عن اللغة. وحين تمارس الصورة هذا الاستقلال تغدو في ملك الآخر، وقد تتحول إلى سلاح له ضدنا. فأغلب الفضائح الموثَّقة بالصورة (جنسية كانت أو سياسية) تتم برغبتنا في التوثيق أحيانا، لتستعمل ضدنا، بشكل عدواني قاهر.

لم يخطئ رولان بارت حين اعتبر الصورة شهادة وذاكرة حية عن حياتنا. بيد أن كل شهادة تغدو شهادة عنّا، لنا وللآخرين. ومن ثم تتحول الصورة عنّا إلى صورة ضدنا، فنغدو مستلبين من صورنا، تعيش حياتها ومصيرها وقوتها خارجنا، بحيث لا نتحكم لا في قيمتها ولا في تواترها ولا في مدلولاتها ولا في طريقة استعمالها ضدنا نحن أيضا الصانعين لها وموضوعها في الآن نفسه.

لقد صرنا ننتج وفرة من الصورة تستلبنا أولا وقبل كل شيء بوفرتها، بحيث مهما رتبناها وحفظناها فإنها تصبح مُجاوِزة لقدرتنا على تدبيرها، وتذكُّرها وأرْشَفتها. وتلك علامة الاستلاب الأولى. وصارت الصور تسافر في أنحاء المعمورة من غير أن نتحكم في طريق تداولها واستنساخها واستعمالها، محرومة من أي انتماء لنا، لا حقوق فكرية لنا عليها إلا إذا كانت صورا فنية مسجلة في مكتب حقوق المؤلف. ثم إن الصور غدت تكشر عن أنيابها فتُستعمل شهادة ووثيقة ضدنا إذا كانت حميمة أو تسجل أسرار وجودنا وهفواتنا ورغباتنا، ومن ثمَّ تشكل خطرا موقوتا علينا..

بالجملة، إن الصور التي ننتج في حياتنا اليومية أو المؤسسية (كما في التلفزيون وغيره) تغدو غريبة عنا، نعيش معها علاقة كافكاوية، في وجود تتحول فيه الصور إلى متاهة يعسر الإمساك بمسالكها، مستعبِدة لرغباتنا، مستقلة عنا. إنها قوة قاهرة تمارس علينا استلابا، أضحى اليوم استلابا مركّبا، يجعلنا نحيّي كارل ماركس الشاب لأنه أدرك قبل الأوان أن العالم مهما تغيرت أنماط إنتاجه الرأسمالي، فإن محدداته العميقة قد لا تتغير. وحتى إن هي تغيرت، فلتغدو مركَّبة أكثر، ومن ثم تطرح علينا أسئلة تثير التباسا وحيرة أكبر...

 

 


فريد الزاهي