الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

فكر وإبداع





الفن وهو يهذب الحواس


كيف يمكن للفن أن يكون أخلاقيا وقد نحتت سارة لوكاس قضبانا ذكورية لتعرضها كما لو أنها فاكهة ناضجة؟ المسألة بكل بساطة أنه سيكون علينا أن نفكر في الفن لا في ذلك القضيب. سيتم فصل علاقة القضيب غير المهذبة بالأخلاق. في منحوتات عصر النهضة هناك الكثير من القضبان التي لم تكن تستدعي الشهوة. ولم يكن ظهور تلك القضبان ذا صلة بالأخلاق. في جزء منه فإن الفن لا ينطوي على رسالة أخلاقية، وفق التعريف الاجتماعي للأخلاق. ولكن ذلك لا يعني أن الصنيع الفني هو كائن لا أخلاقي، يدعو إلى الفاحشة على سبيل المثال. الفن الحقيقي يحرّض على العصيان والتمرد والاختلاف وينتسب إلى الحرية المطلقة ولا يقبل بالتسويات الوسطية التي تضعه في ميزان المشاركة في صنع الواقع والقبول به حفاظا على مسيرة التاريخ. الصنيع الفني كائن لا تاريخي، تذهب به لانفعيته إلى الحدود القصوى من هدم المسلمات الثقافية. ما يسكت عنه الكثيرون أن كل عمل فني إنما يشكل ظهوره خدشا لحياء الثقافة. وهنا بالضبط يظهر المعنى الأخلاقي الملتبس. كانت لوحة «غداء على العشب» للفرنسي إدوارد مانيه التي عرضت منتصف القرن التاسع عشر قد شكلت صدمة أخلاقية للكثيرين، ولكنها بعد ذلك شكلت نظاما أخلاقيا صار الفنانون يتعلمون مفرداته كما لو أنها صارت جزءا من النظام الثقافي السائد. لا يحتاج المرء إلى العودة إلى قضيب سارة لوكاس ليتأكد من أن الفن لن يكون واجهة في مخزن لبيع البضائع الجنسية. فالفن وإن كان لا يعلّم الأخلاق، غير أنه من خلال رقيه وتساميه يهذب النفس البشرية، يصقل حواسها، ينظفها ويعيد لها قوتها الأصلية لتكون عونا للإنسان في مواجهة الشر والقبح والظلم والاستبداد.

أين تكمن قوة الفن؟

حين رسم فنسنت فان غوخ كرسيه في غرفته بآرل الفرنسية لم يكن يفكر بكرسي جوزيف كوست. مَن خدع الآخر، فنسنت أم غوغ؟ ولكن كيف يمكن أن يكون الكرسي وهو مادة استعمال يومي ملكا لفرد دون سواه، بغض النظر عن قوة ذلك الفرد السحرية؟ كرسي فنسنت هو ما رُسم على قماشة اللوحة التي أعدها الرسام بنفسه. لن تكون للكرسي الواقعي أيةّ قيمة تذكر بعد الرسم. صار ذلك الكرسي كائنا متخيلا وهو جزء من عدة الرسام وهو يواجه مشكلة البعث يوم القيامة مصحوبا بكائناته التي اخترعها. سيكون على الرسام أن يجعل كرسيه وهو من خشب وقش أن يتكلم كما لو أنه يدلي باعترافه الأخير. لقد دأب فنسنت على الزج بكائناته في الأيام الحرجة من حياة الكائن القلق والحائر الذي هو فنسنت نفسه. أما كرسي كوست فإنه لا يزال يرتاح إلى أنسنته التي لا تضطر إلى العودة إلى الفن بعد أن غادرته. إنه يعيش معنا. لا يفرق مفهومه عن العيش بيننا وبينه. حيرته تنفعنا في تفسير وجودنا وصمته يكشف عن الكثير من هذياننا. هل كان ذلك الهذيان ممكنا لولا العمل الفني الذي اخترعه كوست عام 1965؟ هناك محاولة للتفسير يقدمها كوست بنفسه. كرسي محايد وآخر في صورته وأخيرا كما لو أنه يفسر وجوده من خلال الكلمات. لقد رسم الإسباني دييغو فيلاسكز عام 1650 أثناء زيارته لروما هو الآخر كرسيا يقعد عليه البابا أنوشينت الخامس، وهو الكرسي نفسه الذي حطمه الإيرلندي فرانسيس بيكون عام 1953حين أعاد رسم لوحة فيلاسكز، لكن بطريقته. لن نرى في العملين الشيء نفسه. أنا على يقين من أن فيلاسكز سيعجب بكرسيه الذي حطمه بيكون. لقد نفخ الرسام الإيرلندي في الكرسي نوعا من الحياة لم يتخيلها فيلاسكز نفسه ناهيك عن البابا الذي صار موضع اختبار شكلي جرؤ الرسام على القيام به باعتباره مادة حياة. لقد حضر الكرسي هنا بمحض الصدفة، كونه الشيء الذي يمكن إعادة تعريفه من خلال الرسم، ولكن الإنسان نفسه كانت قد جرت إعادة تعريفه من خلال الرسم. فنساء غويا هن لسن فتيات أفنيون اللواتي رسمهن بيكاسو ولسن نساء لويزا بورجوا ولسن نساء مودلياني ولسن نساء إيغون شيلا. هل سيكون علينا أن نبحث عما يجمع ويفرق بين نساء؟ لن يكون علينا سوى الاعتراف بأنهن ينتمين إلى عالم الرسم من جهة كونه محاولة لخلق عالم مجاور مَن يملك الحق في أن يقول أن تفاحة سيزان لم تكن تفاحة، عليه أن يثبت أن بيكاسو لم ير فتياته الخمس في جادة أفنيون ببرشلونة. كان رامبرانت مولعا برسم تحولاته الجسدية، من الشباب إلى الشيخوخة وكان من خلال ذلك الولع النضر يعيد تعريف نفسه.

 

 

 


فاروق يوسف