الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

مجتمع


في عدسة «الصحافة اليوم»
بلادنا تتوفّر على 1200 كلم من الشواطئ:

بحرنا تتهدده الأنشطة العشوائية.. والنفايات



الصحافة اليوم : اعداد نورة عثماني

البحر كان بالأمس وعبر مختلف الحضارات الانسانية في ابعادها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفكرية مقوّما من مقومات التنمية الانسانية وتلاقي الحضارات... وتونس تتوفر على جميع مقومات الاستقطاب التنموي والجذب السياحي فإلى جانب شواطئها التي يبلغ طولها حوالي 1200 كم الممتدة على ضفاف البحر الأبيض المتوسط بعضها مجهز بمرافق وخدمات سياحية متطورة وبعضها الاخر لم تطأه القدم البشرية... وهناك ايضا الجانب السياحي الثقافي المتمثل في كنوز التراث والآثار والمتاحف التي تزخر بها بلادنا والتي تعكس تواتر الحضارات العريقة التي شهدتها تونس منذ فجر التاريخ.

كما تتمتع تونس بموقع جغرافي استراتيجي وببنية خدمات اساسية متطورة في مجال المواصلات والنقل جوّا وبرّاً وبحراً بالإضافة إلى خدمات الاتصالات الحديثة التي تستوعب كل ما تنتجه تكنولوجيا الاتصال الحديثة وهي كلها ايضا عوامل كان بامكانها ان تجعل من البحر الممتد من جنوبها الى شمالها قوة جذب ومجال استقطاب مالي كبير للاعمال وللاستثمارات بمختلف اختصاصاتها لكن وللاسف هذه الثروة الايكولوجية التي وهبها ايانا الله تكاد تتحول الى نقمة بعد ان اصبح البحرطريقا للمتاجرة بالبشر الذين يتم العبور بهم خلسة تحت اجنحة الظلام الى الضفة الاخرى من اوروبا حيث يحلم الشباب التونسي المغرر به بمستقبل افضل فالهجرة غير الشرعية اصبحت اليوم تغوي الآلاف من الشباب التونسي لاسيما منهم المنقطعين عن الدراسة والفارين من قيود البطالة.

وقد اظهرت دراسة حول موضوع الشباب والهجرة في تونس ان 45 بالمائة من الشباب التونسي لهم استعداد للهجرة حتى وان كانت غير شرعية وهم بصدد التفكير فيها بجدية وهنا تكمن الطامة الكبرى حين يتحول البحر من مصدر للثروة وخلق الفرص للتنمية والتشغيل الى مصدر لارباك المسار التنموي وتشتيت طموحات الشاب وتحويلها الى مجرد وهم تتقاذفه الامواج.

منبع انتاج ....وموت

واذا كانت الهجرة غير الشرعية هي الوجه الاول البائس للبحر فالتلوث هو وجهه الثاني اذ تعد مشكلة النفايات البلاستيكية من اكبر التحديات التي تؤرق اليوم الكثير من دول العالم ففي تونس ورغم المجهودات المبذولة للحد منها انطلاقا من البرنامج الوطني للتصرف في النفايات البلاستيكية الذي اقر تجميعها واعادة رسكلتها وصولا الى احدااث جهاز الشرطة البيئية العام الفارط والذي من بين اهم ادواره االردع والقضاء على كل مظاهر التلوث واخرها المشروع الذي اعلنت عنه بلدية تونس مؤخرا خلال افتتاح معرض دولي بقصر خير الدين بنهج التريبونال بالمدينة العتيقة تحت عنوان «البحر... وجهة نهائية... مشروع حول النفايات البلاستيكية» والذي ترمي من ورائه الى تحويل تونس المدينة بصفر من النفايات حيث ستعمل البلدية من خلاله على توعية المتساكنين لتحسين طريقة التصرف في النفايات وذلك بالتعاون مع المؤسسات التعليمية ومع منظمات المجتمع المدني فبالرغم من هذه البرامج والاحداثات للتغلب على الظاهرة ما يزال الوضع البيئي متردّيا كما عهدناه منذ سنوات وماتزال مشكلة النفايات قائمة الى يومنا هذا الى درجة انها اصبحت تهدد بلادنا في العمق من خلال استهدافها لقطاعات حيوية في اقتصادنا كالسياحة والثروات البحرية التي اصبحت عرضة للاندثار بسبب ما اصاب مياه البحر من تعكرات متاتية خاصة من النفايات البلاستيكية فقد بينت الدراسات العلمية أن عددا كبيرا من الحيوانات يعاني من تأثير النفايات البلاستيكية على نظامه الغذائي، والتي تضر بصحته وتؤدي إلى نفوقه.

نفايات...وهدر للثروة السمكية

ووفقا ايضا للتقارير العلمية الواردة في الغرض فإن 99 في المئة من الطيور البحرية معرضة لابتلاع جزيئيات البلاستيك جنبا إلى جنب مع الغذاء حتى عام 2050 وأن أكثر من 600 نوع من الحيوانات البحرية، تعاني مباشرة من التلوث الناجم عن المواد البلاستيكية وأكثر من 90 في المئة من الطيور البحرية في جميع أنحاء العالم، سبق لها أن ابتلعت قطعة صغيرة من البلاستيك.

ففي تقريره الصادر بتاريخ 8 جوان 2018 تحت عنوان «التلوث بالبلاستيك بالبحر الابيض المتوسط فلنخرج من المصيدة» كشف ايضا الصندوق العالمي للطبيعة ان البلاستيك يشكل حاليا 95 بالمائة من النفايات التي تجوب مياه البحر المتوسط وترسوعلى ضفافه مشيرا الى ان اكبر الكميات القيت من تركيا واسبانيا تليهما ايطاليا ومصر وفرنسا ويعيش على امتداد حوض البحر الابيض المتوسط زهاء 150 مليون ساكن يشكلون اهم التجمعات المنتجة للبلاستيك في العالم بمعدل يتراوح بين 208 و760 كلغ للفرد سنويا كما يزور المنطقة زهاء 200 مليون سائح سنويا مما يتسبب في ارتفاع حجم النفايات بنسبة 40 بالمائة وفق البيانات الواردة بالتقرير.

وتحل اوروبا في المرتبة الثانية في انتاج البلاستيك وتلقي سنويا ما بين 150 و500 طن من البلاستيك كبير الحجم ومابين 70 و130 الف طن من البلاستيك المجهري سنويا .وتشكل هذه الكميات خطرا على الحياه البحرية.

وتتسم مواد البلاستيك التي يتم رميها في البحر بعدم قدرتها على التحلل ويمكن ان تستمر لمئات اوالاف السنين رغم انها تستخدم في الغالب خلال 4 سنوات ولمرة واحد في حين تتحلل اعقاب السجائر في غضون 5 سنوات ويستمر تحلل كيس من البلاستيك 20 عاما ويستغرق تحلل كأس بلاستيك 50 عاما في حين يبقى خيط الصنارة 600 عاما في البحر قبل ان يتحلل.

وعبر التقرير عن مخاوف الصندوق من الانعكاسات الخطيرة للاستعمال المكثف للبلاستيك ومن التصرف العشوائي في النفايات داعيا الى ضرورة وضع خريطة عمل مفصلة تتضمن تدخلات عاجلة يتعين على المؤسسات والمواطنين اتخاذها للحد من القاء البلاستيك في المياه .وبين التقرير ان النقائص التي تشكومنها منظومة التصرف في النفايات البلاستيكية باغلب الدول المتوسطية تعد من اعمق اسباب هذا النوع من التلوث من ذلك ان ثلث الحجم السنوي لانتاج اوروبا من البلاستيك والذي يبلغ 27 مليون طن يدخل حلقة اعادة التدوير علما وانه توجد نصف كميات البلاستيك في ايطاليا وفرنسا واسبانيا في المصبات ويمثل البلاستيك المعاد تدويره 6 بالمائة من الطلب على البلاستيك في اوروبا.

وبالتالي فقد دعا الصندوق الحكومات والمؤسسات والخواص الى اعتماد عدد من الاجراءات التي تهدف الى تقليص التلوث بالبلاستيك في الوسط الحضري بسواحل البحر الابيض المتوسط.مع ضرورة تحقيق اتفاق دولي لتقليص البلاستيك في المحيطات يقوم على اهداف وطنية قابلة للتنفيذ للتوصل الى 100 بالمائة من البلاستيك معاد التدوير بحلول سنة 2030 ومنع تداول بعض المنتوجات البلاستيكية ذات الاستعمال الموحد وحث المؤسسات على الاستثمار في التجديد.

تهديد للصيد البحري والسياحة

وتكبد النفايات البلاستيكية الاضرار بالقطاعات الاقتصادية في البحر الابيض المتوسط وخاصة الصيد البحري والسياحة اذ تشير التقديرات الى ان النفايات البحرية تكلف 61،7 مليون اوروسنويا لاسطول الصيد البحري في اوروبا بسببب تقلص صيد الاسماك والمشاكل التي تتعرض لها البواخر وتراجع الطلب على الصيد البحري.كما يتعرض قرابة 134 صنف من الكائنات البحرية (اسماك وسلحفاة البحر..) الى اضرار جراء التلوث بالبلاستيك ويحتوى 18 بالمائة من اسماك «السفن» و«التونة» على جزيئات البلاستيك في معدتها و90 بالمائة من الطيور البحرية على قطع من البلاستيك.

اما فيما يتعلق ببلادنا فمنظومة التصرف في النفايات ما تزال تمر بعدة صعوبات مادية مقارنة بسنوات انطلاقها الاولى والتي ادت الى غلق العديد من نقاط التجميع علاوة على النقص في التجهيزات وانعدام الصيانة ذلك ان كمية النفايات في تونس تبلغ سنويا 2.2 مليون طن لا يتم تجميع ورسكلة سوى 85 ٪ منها فقط وتحرص الوكالة الوطنية للتصرف في النفايات من خلال برامج تدخلها على تطوير هذه النسبة الى 100 بالمائة مع حلول سنة 2030.

وتعيش السواحل التونسية التي تمتد على مسافة 1200كلم وضعا لاتحسد عليه نتيجة لكثرة الالقاء العشوائي للفضلات بها حيث تعاني اغلب المدن الساحلية من هذه الظاهرة التي باتت تؤرق السلطات مع انطلاق كل موسم سياحي فشريطنا الساحلي والذي يعتبر الوجهة الاولى للسياحة اصبح دوره يتراجع ولم يعد يرق للكثير من الوفود السياحية التي باتت تهجر السياحة الشاطئية الى السياحة الصحراوية وغير ذلك من المنتوجات السياحية التي تزخر بها بلادنا وذلك بسبب تكاثر الفضلات على الشواطئ.وهووضع يأبى الا ان يستمر ويزيد سوءا من سنة الى اخرى ماجعل وزارة السياحة تطلق صيحة فزع وتحذر من تداعيات انتشار رقعة التلوث على الشواطئ وتأثيرها على نظرة السياح، مؤكدة أنها تلقت عديد الشكاوى من السياح الأجانب بسبب تكاثر الفضلات على الشواطئ وبضرورة الإسراع لإيجاد استراتيجية مشتركة بين كل الأطراف المتداخلة لمعالجة تناثر النفايات في المناطق الساحلية من أجل المحافظة على البيئة وتحسين صورة تونس في الخارج لاستقطاب مزيد من السياح.