الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

مجتمع



تحتفل قريبا بعيدها:

معاناة المرأة الريفية تتواصل في ظل قوانين غير مفعلة


الصحافة اليوم: نورة عثماني

«طالما لم تتغير السياسات ولم تكن هناك إرادة فعلية للتغيير ستستمر المعاناة وسنظل نحصي عدد الأرواح وسنصحوا كل يوم على فاجعة» هكذا لخصت السيدة حياة العطار عضو المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية حديثها بخصوص الواقع المرير الذي تقبع تحته المرأة الريفية والمرأة العاملة في المجال الفلاحي والصناعي التي ظلت وضعيتها وعلى امتداد عقود طويلة تفتقر إلى التعامل الجدي القادر على إيجاد الحلول لكل مشاكلها وظلت على الدوام تتجرع من نفس كأس المآسي ولا يتم الالتفات إليها إلا بشكل مناسباتي في الأعياد والتظاهرات الوطنية من اجل الترويج لصورة لامعة عنها لا تعكس في واقع الأمر حقيقة وضعية التهميش التي تعاني منها.

 

وفي قراءة نقدية لها حول وضعية المرأة الريفية أكدت السيدة حياة العطار في تصريح لـ «الصحافة اليوم» بان القطاع الفلاحي في تونس يعتمد بشكل كبير على اليد العاملة النسائية، إذ تعمل ما يقارب مليون امرأة في الأراضي والمنشآت الفلاحية أي ما يقدر بـ ٪70 من اليد العاملة الجملية في ظروف شاقة وخطرة وبمقابل زهيد يتراوح بين الـ 9 دنانير و13 دينارا في اليوم إلى جانب عدم تمتعهن بالتغطية الاجتماعية رغم المجهودات المبذولة من قبل منظومة «احميني»، فحسب أرقام المنظومة تمكنت أكثر من 1500 عاملة من التغطية الاجتماعية في سعي متواصل إلى تغطية كل العاملات في غياب تام لدور الدولة وللوزارات المعنية من أجل حماية هذه الفئة والاعتراف لها ولو بالقليل لدورها الهام في تموين الشعب وفي النهوض بالقطاع الفلاحي ولعل أزمة كوفيد ـ 19 اكبر دليل على أهمية الفلاحة والدور العظيم للعاملات فيها.

واعتبرت العطار انه وعلى أهمية القطاع الفلاحي والعاملين فيه إلا أنه لم تشفع للعاملات ليتمتعن بظروف عمل لائق ولا بأجر لائق ولا حتى بنقل لائق يحفظ كرامتهن وحياتهن فالوضع لم يتغير في ظاهرة نقل العاملات رغم تكرر الحوادث حيث رصد المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية خلال الخمس سنوات الماضية(2015 ـ 2020) إصابة اكثر من 500 عاملة ووفاة 40 بسبب شاحنات الموت التي ما انفكت تحصد الأرواح من فترة إلى أخرى.

وفي رد منها على السؤال المطروح لماذا الحوادث التي تصيب النساء العاملات في القطاع الفلاحي تتركز أساسا في ولايات سيدي بوزيد والقيروان والقصرين تحديدا؟ أكدت العطار أن عاملات القطاع الفلاحي يتوزعن تقريبا على كل ولايات الجمهورية وجميعهن يعملن في الحقول والمزارع ويتنقلن بالشاحنات وفي نفس الظروف تقريبا لكن أكثر الحوادث، خاصة التي تكون فيها حالات وفيات، تتركز بالأساس في هذه الولايات الداخلية وتحديدا ولايات الوسط الغربي وهذا خير دليل حسب رايها على تهميش المناطق الداخلية من حيث البنية التحتية وتهيئة الطرقات وأسطول النقل وتردي الخدمات الصحية ونقص الإطار الطبي في أغلب المستشفيات (القيروان مثلا بها طبيب انعاش واحد).. معتبرة أن كل هذه النقائص ترجع أساسا إلى منوال التنمية اللاعادل والذي لا يعكس إلا فشل السياسات المتبعة من قبل الحكومات المتعاقبة وغياب إرادة الاصلاح والنهوض بهذه الجهات المنكوبة والتدمير الممنهج للقطاع العمومي للصحة إلى جانب غياب الرقابة ومتابعة القوانين وعدم رصد الميزانيات لتطبيق القوانين وغياب التنسيق بين الوزارات المعنية لأن مشكل نقل العاملات الفلاحيات وحوادث النقل عموما بحسب قول حياة العطار لا يخص فقط وزارة النقل أو وزارة المرأة أو هو مشكل قوانين وتشريعات فحسب بل هو مشكل إرادة سياسية والمفروض أن تتداخل فيه الأدوار لوضع خطة مشتركة بين كل الوزارات إلى جانب الدور الرقابي لمجلس النواب ولرئاسة الحكومة.

ولئن قامت منظمات المجتمع المدني بدورها الرقابي والتحسيسي وبالضغط ميدانيا من خلال حملات المناصرة والدراسات والتقارير التي قدمتها كالمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات وجمعية النساء للبحث حول التنمية والجمعية التونسية للحراك الثقافي فإن التقصير يبقى حسب محدثتنا سياسيا حيث تعوزه الإرادة الحقيقية لتغيير واقع النساء العاملات في القطاع الفلاحي.

ولعلها فرصة للتذكير بموقف المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية -مثلما اكدت- والذي يعتبر العاملات في القطاع الفلاحي كغيرهن من الفئات الهشة ضحية الوضع الاقتصادي والاجتماعي الذي شهد أزمات كبيرة ومتواصلة خاصة ما بعد 2011 نتيجة تعمّق الفوارق الاجتماعية وارتفاع نسب الفقر والبطالة والهشاشة في المناطق الريفية لتكون هذه المؤشرات أكثر وقعا على المرأة العاملة في الوسط الريفي في غياب إرادة سياسية لحمايتها رغم كل الدعاية الإعلامية ورغم أن وضعية المرأة وحمايتها من كل أشكال الانتهاك والاستغلال كانت عناوين الوعود الانتخابية والتنافس السياسي دون اثر فعلي ملموس لدى هذه الفئة ورغم الترسانة القانونية المهمة وآخرها القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 الخاص بالقضاء على العنف ضد المرأة. فحجم الانتهاكات اثبت أن القوانين وحدها قاصرة عن حماية هذه الفئة الهشة كما أن اقتراح مشاريع قوانين مثل القانون المتعلق بإحداث صنف نقل العملة الفلاحيين هو مواصلة في نفس التمشي المنقوص الذي سبق وأن انتقدنا الحكومة فيه.

واعتبر المنتدى أيضا ان المنوال الاقتصادي الحالي يهمّش النساء اقتصاديا واجتماعيا ويجعلهن من الفئات الهشة فرغم الدور الطلائعي للمرأة التونسية في الدفاع عن حقوق الانسان وفي الحركات الاجتماعية والمدنية فان الإرادة السياسية الغائبة ترى في حقوق النساء والمساواة مجرد إجراءات وقوانين وشعارات لا تلقى في اغلبها طريقا للتطبيق مادامت لم تترجم إلى سياسات تكرس الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للنساء.

وأضافت «بالنسبة إلينا لابد أن ينطلق تحسين وضعية المرأة في القطاع الفلاحي من مراجعة عميقة للسياسات الاقتصادية والاجتماعية ومن تصوّر افضل لدور الفلاحة في الاقتصاد الوطني والتمكين الاقتصادي للمرأة في الوسط الريفي وبإرادة سياسية في تفعيل القوانين وردع المخالفين والمنتهكين لحقوق العاملات في القطاع الفلاحي.»

ودفعا نحو التغيير الايجابي لواقع العاملة الفلاحية خاصة في ما يتعلق بإشكالية النقل العشوائي الذي اودى بحياة الكثيرات منهن، أطلقت أصوات نساء والمنتدى التونسي للحقوق الإقتصادية والإجتماعية وجمعية المرأة والمواطنة بالكاف وجمعية ريحانة للمرأة بجندوبة وجمعية صوت حواء حملة « سالمة تعيش » منذ 11 جوان 2020 بمناسبة مرور سنة على دخول القانون عدد 51 لسنة 2019 حيز التنفيذ والمتعلق ببعث صنف جديد لنقل العاملين والعاملات في القطاع الفلاحي. وتهدف هذه الحملة لدعوة كل الأطراف المعنية لإصدار الأوامر الترتيبية اللازمة لتفعيل أحكام هذا القانون من أجل إحداث نقل آمن للعاملات بالقطاع الفلاحي وذلك نظرا لبقاء تنفيذه رهين غياب الإرادة السياسية والإجراءات الحاسمة التي جعلت منه حبرا على ورق.

ورغم الحملات المُتتالية من قبل المنظمات والجمعيات المدنية للتعبير عن غضبهن من غياب الإرادة السياسية وعدم إرساء الآليات اللازمة لتفعيل «القانون عدد 51 المتعلق بتنظيم النقل البري لبعث صنف جديد لنقل العاملين والعاملات في القطاع الفلاحي» إلا أن الأوضاع مازالت على حالها..حيث انتقدت العديد من الناشطات في المجتمع المدني التعامل غير الجِدِّي مع هذا الملف وأثبتن بالحجة والبرهان أن المرأة الريفية تعيش ظروف عمل غير إنسانية وغير لائقة ويتِم الاعتداء عليها لفظيا ومعنويا وتتعرض للاستغلال والاضطهاد بمختلف أشكاله لتبقى رهينة قرار حكومي غير مُفَعَّل ووَضْع اقتصادي واجتماعي بائس.