الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

مجتمع



بين هجرة الأطباء الأكفاء والنقص الفادح في الاختصاصات

قطاع الصحة يستغيث



• 620 طبيب مختص في الصحة العمومية غادروا وظائفهم ونحو مائتي مطلب مغادرة جديد في السنة الحالية

• تقلص عدد أطباء الإنعاش بسبب خروج عدد منهم خارج حدود الوطن بعد تنامي ظاهرة الاعتداء والعنف داخل المستشفيات العمومية

الصحافة اليوم:جيهان بن عزيزة

عرفت تونس خلال السنوات الأخيرة هجرة أعداد غير مسبوقة من الأطباء الذين غادروا البلاد للعمل في دول أوروبية وخليجية على غرار ألمانيا وفرنسا وقطر والسعودية وهو ما اثر بشكل كبير على قطاع الصحة من خلال النقص الفادح في أطباء الاختصاص في المستشفيات العمومية لا سيما تلك المتواجدة في المناطق الداخلية وتطرح هذه الظاهرة إشكالا عميقا باعتبارها مرتبطة مباشرة بحياة الملايين من التونسيين.

وحسب تقرير التنمية البشرية في العالم العربي لسنة 2016 تحتلّ تونس المرتبة الثانية عربيّا في تصدير الكفاءات العلمية إلى الخارج وقد تنامى منذ سنة 2011 عدد التونسيين من ذوي الاختصاصات المهمّة كالطبّ والصيدلة والهندسة الذين يفضّلون العمل خارج البلاد.

وتثبت الأرقام الصادرة عن عمادة الأطباء تفاقم ظاهرة هجرة الأطباء وهو ما دفعها إلى التحري في الموضوع وفي الأعداد الدقيقة للأطباء المغادرين البلاد في ظل غياب سجل وطني لرصد هذه الظاهرة ووفق ما بينه الدكتور نزيه الزغل كاتب عام المجلس الوطني لعمادة الأطباء في تصريح لـ «الصحافة اليوم» فان العدد الجملي للأطباء الذين غادروا البلاد للعمل خارجها يناهز 1858طبيب ما بين سنتي 2015 و2018منهم 394طبيب من الخريجين الجدد أي أنهم أطباء اختصاص طب عام ومازالوا لم يحصلوا على التخصص والذين يبلغ معدّل فترات تكوينهم 15 سنة و 1464طبيب مختص من القطاع العمومي وبالتحديد في المستشفيات الجامعية والقطاع الخاص أي ما يعادل 20 سنة من التكوين والخبرة بالنّسبة إلى المبرّزين في الطب.

وعلى الرغم من أن أعداد الأطباء المغادرين يبدو مهما وينذر بنقص فادح في الاختصاصات المطلوبة في المستشفيات الجامعية والمستوصفات لا سيما التبنيج والإنعاش وطب الأطفال وطب النساء والتوليد إلا أن الدكتور الزغل أشار إلى أن النقص في أعداد أطباء الاختصاص لا يعد أمرا مستجدا ولا تمثل هجرة الأطباء السبب المباشر له بل هو واقع الصحة العمومية منذ سنوات وسببه الرئيسي الوضعيات الرديئة للمستشفيات العمومية ونقص الأجهزة الطبية وسوء توزيع أطباء الاختصاص بين الجهات وهذا ما جعل عمادة الأطباء تدقّ في الآونة الأخيرة ناقوس الخطر أمام تفاقم هذه الظّاهرة للوقوف على أسبابها ومعالجتها وللحدّ من نزيف هجرة الأطبّاء قبل فوات الأوان مع العلم وأنّه قبل 2011 كانت هجرة الأطبّاء منظّمة في إطار تعاقدي مع بلدان الخليج العربي ونسبتها ضئيلة وكانت محدودة في الزمن أمّا الهجرة حاليّا فهي تخصّ ثلاثة أصناف من الأطبّـاء علـى الأقـلّ الأطبّاء حديثو التخرّج الذين يهاجرون إلى ألمانيا والأطبّاء المقتدرون والمختصّون في عدّة اختصاصات طبّية وجراحيّة بعضهم من القطاع العام والبعض الآخر من القطاع الخاصّ والذين يختارون الهجرة إلى أوروبا أو إلى بلدان الخليج العربي للعمل في إطار تعاقدي ولفترات زمنية متفاوتة وقد يستقرّ بعد ذلك الكثير منهم في بلدان الإقامة والأطبّاء الكبار في الخبرة والسنّ من بين خيرة رؤساء الأقسام الاستشفائية والجامعيّة والأساتذة المحاضرين. وأشار كاتب عام المجلس الوطني لعمادة الأطباء أن نحو 58طبيبا تونسيا نجحوا السنة الفارطة في مناظرة معادلة الشهائد بنظيرتها في فرنسا من مجموع 64طبيبا في اختصاص طب الإنعاش والتبنيج من بينهم أساتذة في طب الإنعاش ورئيس قسم الاستعجالي وهو أستاذ مبرز، سيلتحقون خلال هذه السنة بأماكن عملهم في الخارج ولهذا النجاح وجهان أولهما وجه ايجابي ونقطة مضيئة للكفاءة الطبية التونسية في الخارج وهي مطلوبة بشكل مشرف وثانيهما سلبي لما ستخلفه هجرة الأدمغة الطبية الكبيرة في السن وفي الخبرة من فراغ على المستوى الوطني خاصة في مستوى تكوين الأطباء الشبان .

توزيع أطباء الاختصاص

فالطبيب التونسي معروف بمستواه العلمي والإنساني في كل بلدان العالم التي تسعى جاهدة إلى إغرائه وإلى استقطابه للعمل لديها خلافا للمعاملة السيئة التي يواجهها أحيانا في بلاده لا على مستوى الأجر الذي قد يتضاعف عشر مرات في الدول الأوروبية والخليجية أي ما يعادل الثلاثين ألف دينار كأدنى اجر لطبيب في رتبة رئيس قسم مقابل أربعة آلاف دينار كأجر يتقاضاه بالرتبة نفسها في مستشفى عمومي ولا على مستوى ظروف العمل وتدهورها في المؤسّسات الاستشفائية العمومية وقلّة الموارد البشرية والمعدّات والإمكانيّات المادّية والحوافز زد على ذلك التهجمات المتكرّرة والتي تستهدف الأطبّاء وتجعلهم عرضة إلى العنف اللفظي والجسدي خاصّة في غياب تأمين أفضل لمكان العمل وفي غياب قانون يجرّم هذه الاعتداءات بالإضافة إلى تدهور المقدرة الشرائية لأطبّاء القطاع العام ولعدد كبير من أطبّاء القطاع الخاصّ في حين تؤمّن لهم بلدان الاستضافة مناخا مناسبا للعمل وإمكانيّات تقنيّة جيّدة تتيح لهم التدرّج العلمي والتكوين المستمرّ .

وبالعودة إلى الحديث عن النقص الفادح في أطباء الاختصاص وتدهور وضعية المستشفيات العمومية أشار الدكتور نزيه الزغل إلى أن الإشكال لا يكمن في عدد الأطباء بقدر ما يعود إلى سوء توزيعه ذلك أن عدد أطباء الاختصاص يفوق عدد أطباء الطب العام (8405) مقابل (6491) لكن عملية التوزيع هي التي تشكو خللا فوفق دراسة أعدتها عمادة الأطباء في ديسمبر 2017 فان نحو تسع ولايات هي جندوبة وسليانة والكاف والقيروان وقصرين وسيدي بوزيد وتوزر وقبلي وتطاوين تشكو تصحرا في طب الاختصاص ليصل المعدل بها إلى 20طبيبا على كل 100الف متساكن أي ما يعادل 24,8 % من المجموع العام للسكان في تونس في حين أن المعدل الوطني العام يبلغ 73طبيبا على كل 100الف متساكن .

ففي الاختصاصات الطبية يتوزع عدد الأطباء العشرين في التسع ولايات إلى 9اطباء على 100الف متساكن في القطاع العمومي و11طبيبا على كل 100الف متساكن في القطاع الخاص وفي اختصاصات الجراحة يتوزع العشرون طبيبا على كل 100الف متساكن إلى 7اطباء في القطاع العمومي و13طبيبا في القطاع الخاص أما في طب النساء والتوليد فيوجد ثلاثة أطباء في القطاع العمومي و16طبيبا في القطاع الخاص وفي طب الأطفال يوجد 25طبيبا على كل 100الف متساكن منهم 9يشتغلون في القطاع العمومي و16في القطاع الخاص وللإشارة لا يوجد أي طبيب تونسي مسجل في عمادة الأطباء في اختصاص طب الأطفال في ولاية قبلي ما عدا طبيبة أجنبية .

وأمام هذه الهجرة المكثّفة وغير المسبوقة للأطبّاء وللنقص الفادح في أطباء الاختصاص نتيجة التوزيع غير العادل بين القطاع العمومي والخاص داخل الجهات ذات الأولوية ولتوفير أحسن الخدمات الطبّية للمواطنين التونسيين أينما كانوا فان الحل الأمثل من وجهة نظر الكاتب العام للمجلس الوطني لعمادة الأطباء يكمن في تغيير نظام الصحة في تونس واعتماد نظرة جديدة للقطاع ولتوزيع الأطباء بين القطاعين العمومي والخاص وتوفير الخدمات الصحية بصفة متواترة صباحا ومساء في المستشفيات العمومية وتدعيمها بالتجهيزات الطبية اللازمة وبالموارد البشرية وأيضا بالضّغط على كلّ المتدخّلين في قطاع الصحّة لإيجاد الحلول الملائمة قبل فوات الأوان.

نقص فادح في طب الاختصاص

وتعود أسباب عدم قدرة الأطبّاء على الاضطلاع بمهامّهم في ظروف طيّبة إلى انعدام الأمن في المستشفيات وتفاقم ظاهرة العنف المادي واللفظي ضدّ الإطار الطبّي وشبه الطبّي بالإضافة إلى تدهور حالة التّجهيزات والفضاءات الصحية وعدم توفّر أطبّاء أخصائيين  بالعدد الكافي في بعض الأقسام.

ولم يخف وزير الصحة عبد الرؤوف الشريف في جلسة عامة بمجلس نواب الشعب أن كافة المستشفيات الجامعية والمحلية تشكو من نقص فادح في أطباء الاختصاص مؤكدا أن هذا الإشكال سيتواصل على امتداد الثلاث سنوات القادمة لعدم توفر العدد الكافي لتغطية طلبات المستشفيات باعتبار توفر نحو 4الاف طبيب مختص كما تشكل مغادرة عدد من الأطباء الجامعيين والأساتذة المبرزين الأكفاء احد أهم إشكالات النقص في أطباء الاختصاص أين أشار الوزير إلى مغادرة نحو 300طبيب مختص في سنة 2017ونحو 320طبيب في السنة المنقضية وما يناهز 200 مطلب مغادرة من أطباء صحة عمومية خلال السنة الحالية وهو ما يؤكد عدم رغبة أطباء الاختصاص في استكمال مشوارهم المهني في المستشفيات العمومية بسبب ظروف العمل المتردية وتنامي أشكال العنف وضعف الأجور مقابل السخاء المادي الذي تقدمه لهم الدول الأوروبية على غرار فرنسا التي ترغب في انتداب نحو 20الف طبيب مختص في غضون 2020دون إجراء اختبارات بالنسبة للأطباء التونسيين .

وحتى لا تتعقد وضعية المستشفيات في ما يتعلق بطب الاختصاص أشار وزير الصحة على انه تم الاتفاق مع الأطباء الراغبين في المغادرة على تأجيلها إلى سنة لعدم سلطتها على الأطباء وإثنائهم عن قرار المغادرة إلى حين استكمال وضع برنامج خاص لمراكز طب الاختصاص في المناطق الداخلية وتكوين نحو 150طبيب كدفعة أولى في الاختصاصات المطلوبة في غضون ثلاث سنوات مع ضمان العمل بحصص الاستمرار للحالات المستعجلة في حدود الإمكانيات المتوفرة .

وتبدو الوضعية حرجة في طب الاختصاص في بعض المستشفيات على غرار القيروان وبالتحديد في مستشفى الاغالبة الذي توقف عن إجراء العمليات الجراحية لعدم توفر طبيب منعش ومبنج ولا يقتصر الوضع على هذا المستشفى بل إن عدد الأطباء المختصين في طب الإنعاش والتبنيج هو كذلك في تراجع بعد مغادرة عدد منهم المستشفيات العمومية ففي مستشفى الحبيب ثامر تقلص عدد أطباء الإنعاش من ثمانية إلى طبيبين وفي مستشفى شارل نيكول من 12 إلى أربعة أطباء وهو ما يستوجب وفق وزير الصحة إعادة النظر في المشاكل الحقيقية للقطاع وتحمل كل طرف مسؤوليته في ما آلت إليه الأوضاع في المستشفيات ولو انه حمل البعض ممن يريدون التشويش على القطاع وإبراز هناته والتعدي على الأطباء .

وتؤكد تصريحات وزير الصحة وأرقام عمادة الأطباء أن هجرة الأطباء التونسيين باتت واقعا مرا ومثيرا للحيرة والقلق يثبتها النقص الحاصل في الاختصاصات الحساسة والمطلوبة تسبب في خسارة كفاءات وفي تراجع الخدمات الصحية لا سيما في القطاع العمومي الذي يتكفل بحوالي 70 %من المواطنين التونسيين الذين وللأسف لن يتمكنوا من الحصول على خدمة صحية تستجيب إلى المواصفات في ظل نقص الموارد البشرية والتجهيزات الطبية اللازمة وبات محكوما عليهم بالموت وبثقل المصاريف جراء اقتناء الأدوية على حسابهم الخاص بعد تراجع الصيدليات ومسدي الخدمات الصحية باختلاف أنواعها على التعامل مع الصندوق الوطني للتامين على المرض بسبب تراكم ديونهم المتخلدة بذمته .

ويستدعي الأمر إرادة حقيقية للعمل على تحقيق العديد من المطالب في قطاع الصحة على غرار سنّ قانون أساسي للطالب الطبيب الداخلي وللطبيب المقيم والمصادقة عليه وضمان سلامة الفريق الطبي وشبه الطبي خلال أوقات العمل وخاصّة أثناء حصص الاستمرار في كلّ المؤسّسات الصحية والاشتغال على تحسين العلاقة بين الأطبّاء والمرضى وبنائها على الثقة والاحترام المتبادل والنظر في مطالب الصيادلة وفي منظومة طبيب العائلة والعودة بالعمل بها في اقرب الآجال .