الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات



على وزن الريشة

سياسة القضاء المستقلّ واللامعقول في القضاء والقدر التونسي


بقلم: حسن بن عثمان

متابعة الحياة التونسية منذ الثورة إلى حدّ الآن تقتضي فقدان العقل والإقامة في اللامعقول، حتّى يظلّ المتابع يتابع في سياسة بلاده بلا أدنى منطق ولا تماسك ولا ذرّة من العقل، وحين فقدان العقل تعمّ الفوضى وتتفاقم الأوضاع التي تزداد تدهورا مع مرّ الأيام بلا أمل في العثور على بوصلة النجاة.

وكمثال ساطع على ما تعيشه الحياة السياسية التونسية من لامعقول هو القضاء التونسي الذي صار هو مربط الفرس ومدار الصراع في البلاد وكثرة المتخصصين والمتفقهين في تفاصيل القانون والدستور وبيع الرياح للمراكب التي بلا صيد ولا مسافرين.

فالقضاء التونسي هو الذي يَحْكُم في كل الجرائم التي ترتكب في المجتمع بما في ذلك الجرائم السياسية، أو ما يُسمّى بالجرائم السياسية وقضايا الانتماء لعصابة مفسدين ووفاق إجرامي، وما يصدر فيها من أحكام قضائية شديدة القسوة والعقاب.

ويعلم جميع الناس أن القضاء التونسي هو الذي حكم في كل القضايا السياسية التي شهدتها البلاد التونسية منذ بداية دولة الاستقلال ومحكمة أمن الدولة، وأصدرت أحكاما رهيبة على المتهمين من طلبة جامعات ومن يساريين وقوميين ونقابيين وإسلاميين، في محاكمات وُصفت دائما من قبل ضحاياها ومن قبل المنظمات الحقوقية الدولية بأنها محاكمات ظالمة وانتقامية لنظام استبدادي فاقد الشرعية وفاقد العدالة ولا يرحم في تسليط أقصى وأقسى العقوبات على خصومه السياسيين. وفي المقابل يتهاون ذلك النظام مع جرائم أزلامه وفلوله وأنصاره والمحيطين به، وآخر ذلك التهاون ما حدث في آخر عهد الرئيس زين العابدين من تغوّل أصهاره في البلاد وخارجها، مثالها قضية يخت عماد الطرابلسي الذي قهر رئيس بنك فرنسي وسرق له يخته؟

 

ما ذكرناه من أمور هو في حكم البداهة الوطنية التي يتفق عليها الجميع تقريبا، من ملاحظين ومتابعين وموثقين ومؤرخين، وتتفق عليها العقول السليمة والعقول السقيمة، في ذات الحين. نذكّر بها فقط على سبيل التمهيد للقبض على «اللامعقول» في حكاية القضاء التونسي الذي تولّى منذ عهد الحبيب بورقيبة محاكمة الإسلاميين المنتمين للإسلام السياسي، بمختلف تسمياته، خصوصا ما صار يُعرف بـ «حركة النهضة»، التي آل لها حكم البلاد، بعد الثورة التونسية التي استولت عليها حركة النهضة أمام الجميع، في الداخل والخارج، وصارت حركة النهضة وزعيمها هي الفاتقة الناطقة صاحبة الحلّ والعقد والنقض والإبرام وإصدار «الفيتوات» بلا حساب ولا عقاب.

نختصر في هذه الفسحة الصحفية على ذكر الإسلاميين لغاية في نفس يعقوب وأبنائه والقضاء والقدر الساحق الماحق الذي حلّ بالبلاد التونسية؟.

 

القضاء التونسي في دولة الاستقلال البورقيبية ثم البنعلية هو من أصدر أحكامه الصارمة الخطيرة، بما في ذلك أحكام الإعدام، على رموز الإخوانجية وقادتهم وزعمائهم وشيوخهم ومرشدهم راشد الغنوشي، بصفتهم عصابة مفسدين وعصابة مجرمين وعصابة إخوان مسلمين، والعصابة هي العصبة التي تتكتّل من أجل التخريب وتدمير الوضع القائم وإسقاط النظام والحلول بدلا عنه، حين الاستيلاء على الحكم والسلطة لإقامة نظام سياسي إخواني ودولة الخلافة الإسلامية المحلوم بها، وبناء دولة إسلامية سلفية في تونس تقطع قطعا نهائيا مع النظام التونسي الحداثي، الزنديق الكافر العميل للغرب الاستعماري وحماية الشيطان الأكبر أمريكا، النظام التونسي عدو العروبة والإسلام وعدوّ حقوق الإنسان. تلك كانت شعارات الإخوان المسلمين التوانسة في محاربة النظام التونسي...

وهذا كله، هو الآخر، من القضاء والقدر التونسي، وهو من المعقول الذي يتفق عليه جميع العقلاء، ويتّفق حوله حتّى أصحاب العقول الخفيفة.

فأين اللامعقول في هذه الوقائع المعلومة والموثّقة بالمكتوب والمنطوق وبالصوت والصورة في عصر ثورة المعلومات، وكله موثق في الأرشيف الوطني والذاكرة المشتركة، التي يرغب زعيم الإخوان التونسيين في تدميرها والتلاعب بها؟

 

يبدأ اللامعقول في القضاء والقدر التونسي مع ثورة 14 جانفي 2011، وعودة المهاجرين أو الهاربين السياسيين من الخارج، وفي مقدمتهم العديد من أسماء حركة النهضة وقيادتها وزعاماتها وعلى رأسهم الشيخ راشد الغنوشي، وتزامن ذلك مع «العفو التشريعي العام؟» الذي شمل كل المساجين بتهمة سياسية إجرامية أو إرهابية أو شبه إرهابية، وخرج المساجين من السجون، المساجين أولئك مثل إخوانهم في الغربة الذين عادوا، هم كلّهم من حكم عليهم القضاء التونسي، الذي كانوا يصفونه بالقضاء الظالم وقضاء الطاغوت وقضاء العائلة الحاكمة وعصابة القصر الرئاسي وحلفائه في الداخل والخارج.

ذلك القضاء التونسي ذاته، بجلالة قدره، الذي كان يوصف بالظالم وصفه شيخ حركة النهضة حالما عاد للبلاد وتولّى السلطة الفعلية في إدارة الشأن العام، وصفه بأنه قضاء عادل وأن أحكامه نزيهة وعادلة ومستقلة، لا تشوبها شائبة...

هنا دخلنا إلى «اللامعقول»، دخلنا في جنون المواقف وفوضى السياسة التي يحكمها أشخاص حمقى معتوهون بلا عقل يعقل الكلام والخطاب، وتماسك السرد والأنساق، والأخطر من ذلك أنه لم يعد ممكنا التنبؤ بسلوكهم وما يقترفون من تناقضات وازدواجية ضمير وحياة، لا علاقة لها بالدين الإسلامي ولا بأي دين من الأديان، ولا بأي دنيا وكرامة الكائن البشري ككائن له حدّ أدنى من الوعي بوجوده في الحياة ؟

 

إذا كان القضاء التونسي عادلا في أحكامه في دولة الاستقلال على الإخوان المسلمين التونسيين وعلى أفراد الإسلام السياسي وعلى عناصر الإرهاب الذين حاربوا ويحاربون الدولة التونسية وقضاءها وعدالتها وكل مؤسساتها المدنية والدينية، كما اعترف بعدل القضاء التونسي الشيخ راشد الغنوشي وهو يغازل القضاء التونسي بعد أن تمكّن من السلطة في البلاد التونسية، فمعنى ذلك أحد أمرين:

ـ إمّا أن الشيخ راشد الغنوشي يقرّ في قرارة نفسه أنه مجرم في حقّ البلاد مثلما سبق أن حكمت عليه العدالة التونسية، وهو ينافق القضاء التونسي الجالس والواقف ومدارسه، لغاية في نفس يعقوب، حاشى سيدنا يعقوب من هذا المكر والخديعة وبؤس هذا القضاء والقدر المشؤوم؟

ـ أو إمّا أن الشيخ راشد الغنوشي يعرف أن القضاء التونسي فاسد وهو خاضع لصاحب الحكم في كل أوقاته، مهما كان اسم صاحب الحكم، ويمكن استعمال القضاء التونسي كما استعمله بورقيبة وبن علي قبل الثورة، لتصفية الخصوم السياسيين وتأبيد الظلم والاستبداد واللاعدالة.

وفي كلتا الحالتين فنحن حيال قضاء وقدر تونسي لا يفقه شيئا من القضاء ولا من القدر ولا من سياسة الأمر الواقع، الواقع الذي يحكمه الشيخ الزعيم الفيلسوف، الواحد الأحد، الذي يعيش في حكاية لا يعرف كيف يرويها؟ إذا انقلب عليه القضاء والقدر التونسي العادل النزيه المستقل، كما يعرف الشيخ الانقلاب في توصيف الأشياء وقضائها وقدرها وحتمية سقوط الباطل؟

 

سبق للشيخ راشد الغنوشي زعيم الاتجاه الإسلامي وحركة النهضة التونسية ورئيس البلاد الفعلي راهنا، صاحب القوّة والنفوذ واستعمال حقّ الفيتو، أن صرّح في فيديو مشهور أن الأمن والدفاع غير مضمونين في دولة الإسلام السياسي الذي عينه على القضاء والقدر...

فهل ضمن الغنوشي القضاء والعدالة في الدولة التونسية وصار هو قاضي القضاة فضلا عن رئاسته للبلاد وما سببه فيها من لا معقول وتدمير لكل أركان العقل في سياسة الشأن العام؟

 

أكتب هذه الكلمات التي يحرقني حبرها وتجرّعها، وأنا أحاول أن أكون متوازن المدارك لخشيتي الشديدة على مصير البلاد التونسية التي يكتنفها اللامعقول الذي دائما يُسفر عن نتائج كارثية، وأرجو من الحزب الإخواني الحاكم الذي صار يتفاخر بقوّته وسداد رأيه وحسمه في الوزارة والكتابة والأمر الواقع، أن يعجّل بتدارك أمره غير الواقعي وغير العقلاني، قبل حلول الطوفان، لا قدّر الله.

إن ملء فراغ البلاد بكثرة النقاشات الفقهية والتلفزية والبرلمانية والخبراتية والخبرائية حول المسائل الدستورية والمسائل القضائية هو أسهل مدخل لتدمير ما تبقى من قضاء وقدر، وما يصاحب ذلك من تطييح كل الأقدار والمقادير في البلاد، فالنقاش القانوني لا يتمّ أبدا إلا بين المتخصصين في القانون، في مخابرهم المعرفية. أما الشعب فهو لا يفهم إلا مقتضيات عيشه وصرف الدينار عند العطّار وفي المطار، لأن الشعب الذي يعيش على الأرض ويكتوي بصعوبة العيش ونار الأسعار، لا يفقد عقله الفقير ولا يفقد بوصلته كلما تعلّق الأمر بخبزته ومستقبل أطفاله، مثلما يفقد الشيوخ والسياسة عقولهم وما يتبعهم من نخبة ببغائية تمارس علينا السكر والعربدة والانحطاط الفقهي في المنابر، والتفوّه بما يعاقب عليه القانون والقضاء والقدر...

ـ «إذا الشعب يوما أراد الحياة/ فلا بد أن يستجيب القدر»؟

كما يقول شاعر البلاد أبو القاسم الشابي.

يقين الشاعر يرعب السياسة التونسية المستبدّة الراهنة ويطلع لها في سكرها بالسلطة ككابوس ويزيد في لامعقولها ولا عقلانيتها المتمادية.

لذلك علينا بدقّ ناقوس الخطر إشعال الضوء الأحمر.

فسياسة الفساد التي ينتهجها الإسلام السياسي في البلاد تنذر بعواقب وخيمة على الإسلام السياسي وعلى الشيخ وزمرته وحكومته القناع، كما سبق أن عرف ذلك في انتخابات 1989، ومثيلتها انتخابات 2019.

والله المستعان في بلاد منكوبة بزعمائها وسياسييها ولامعقولها.