الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات



هكذا أرى

صراع الهوية... عمل باطل الكيان!


بقلم : محمد مصمولي

.. مع قرب موعد الإنتخابات لعام 2019، أو إغتنام فرصة صدور تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة.. حان.. وقت الإستنجاد بالسلاح «الإسلاموي» المتمثل في شعار «الهوية» الذي رفع في إنتخابات 23 أكتوبر 2011 وأفضى إلى هزيمة أحزاب (الصفر فاصل) التي رفعت شعار «هوية» أخرى: ديمقراطية أو يسارية... أو وسطية..

ـ أما ما أتاح الفوز نسبيا على تغوّل حركة النهضة، وهويتها السياسية ذات الخلفية الدينية، في إنتخابات 2014، فهو الإستنجاد بسلاح (نحن أم هم) أي بـ«التصويت المفيد» Le vote utile وبالاعتماد على الخلفية «البورقيبية» المتفتحة على الحداثة ومدنية الدولة وإنجازات دولة الإستقلال.

إثر ذلك، وبالاعتماد على ما سمّي بـ«التوافق» الذي طلع به على الناس الشيخان (الغنوشي والسبسي) حصل ما حصل من إئتلاف «النقيضين» في السلطة، بدلا من بقاء أحدهما في الحكم والآخر في المعارضة، وكأنّ صراع الإنتخابات مجرّد.. لعبة .. لا أكثر ولا أقل.. على حساب المصلحة العليا للوطن.. والإنتقال الديمقراطي، ومنطق الأشياء..

 

لكن عودة صراع «الهويات» يحيل إلى التساؤلات التالية:

ـ هل الهوية إقصاء للآخر ذي الهوية المغايرة؟

ـ هل هويتك.... أنت كفرد أو كحزب سياسي أن تكون إسلاميا أو «لائكيا»، أو أن تكون... «غنوشيا» إن صح التعبير، أو «بورقيبيا»، أو أن تكون قوميا أو وطنيا؟

ـ هو هويتك.. أنت كفرد أو كحزب سياسي أن تكون.. وصيّا على الدين إلى درجة توظيفه في اللعبة السياسية بهدف تحقيق وهم الخلافة.. أو أن تكون... من الذين يعتقدون بضرورة الفصل بين الدين والدولة بهدف التأسيس للديمقراطية.

.. الرأي عندي هو أنّ «الهوية» بأحد المفاهيم المشار إليها هي .. تسطيح سمج للهوية.. بالإعتماد على مظهرها الخارجي.. ليس إلا...

وبكلام آخر، فشعار (نصرة الإسلام) أو (الدفاع عن شريعة الله).. أو (الإسلام في خطر) هو شعار يشي بالاقصاء للآخر، شأنه شأن شعار طرح الذات، باسم الديمقراطية أو اليسارية، كبديل للرجعية والظلامية. ففي هذه الحالة أو تلك.. مصادرةٌ للمختلف، ومحو للآخر.

ما معنى هذا؟

أظنّ أن «أدونيس» قد أصاب حين قال:

ـ: «.. إنّ الهوية التي هي قوام الإنسان، ذاتا وإبداعا، وليست مجرد الاختلاف عن الآخر، إنّما هي حركية إختلافه، داخل ذاته، بين ما هو وما يكون.. فالهوية في الحالة الأولى: إنفصالٌ وإنكفاءٌ، وفي الحالة الثانية: إتصال وتوثبٌ..!».

 

الهوية بهذا المعنى .. تفتّح بلا نهاية... بما يجعلك أنت كفرد أو كحزب سياسي.. «لا كما كنتَ... بل بما تصير».. والتعبير هنا... أيضا هو لأدونيس..

 

قد لا أبالغ حين أقول بأنّ هوية تونس عبر التاريخ كانت هوية تفتح.. بلا نهاية، وأرجو أن تكون كذلك على الدوام...

أما الأدلة على ذلك فهي كثيرة:

ـ مثل كونها أرض الحضارات القديمة: البربرية، والفينيقية.. واللاتينية ثم .. العربية.

ـ مثل كون تأسيس قرطاج عام 874 قبل الميلاد كان حدثا سجّلته ذاكرة التاريخ، باعتبار أنّه كان منطلقا لتأسيس رائد لـ«الدولة المدنية» Cité Etat في قلب البحر الأبيض المتوسط، ولانطلاق إشعاع في كامل الحوض الغربي للبحر المتوسط.

ـ مثل تأكيد المؤرخين القدامى والمحدثين لكون قرطاج كانت من الحضارات القليلة التي كرست «المفهوم الجمهوري» لنظام الحكم وذلك منذ القرن الخامس قبل الميلاد...

 

وكما تنامى وتغذى تفتح الهوية التونسية في أرض الحضارات فذلك ما حصل فعلا.. مع تحول تونس إلى أرض الاسلام الأولى في الشمال الافريقي حيث امتدّ اشعاعها الى سائر بلاد المغرب والأندلس.. غربا.. وإلى ممالك السودان جنوبا، وإلى صقلية جنوب وإيطاليا شمالا..

حصل ذلك لأن هوية تونس المتفتحة بلا نهاية قد جعلتها تعتنق الاسلام المبني على التسامح ورفض التطرف الديني والعقائدي.. الامر الذي أدى بها، منذ وقت مبكّر، الى لفظ اسلام الخوارج والإسلام الشيعي والاسلام الوهابي..

وما قيل ويقال عن اسلام تونس التنويري في أواسط القرن التاسع عشر، يمكن أن يقال عمّا تلاه في دولة الإستقلال.. من انجازات ومكاسب حداثية.

 

تلك.. أو .. هذه تونس وهويتها المتفتحة بلا نهاية..

فهل نقول إذن:

ـ إنّ من تنكر لهذا التفتح التونسي لا يمكن أن يكون.. من أهلها..!