الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات



نقاط وحروف

ما الذي يجمع المتحمّسين لتدخل الجيش بالمطالبين بعقوبة الإعدام والرّافضين للمساواة؟


بقلم: كمال الشيحاوي

يتميّز الحس الشعبي العام بكونه أميل إلى الانفعال والتعامل السطحي والسريع مع الأحداث والظواهر، فضلا عن ضيقه بالنقاش والتفكير. وهذه الخصائص المشتركة بين جلّ المجتمعات تختلف في وجوه بروزها ودرجاتها من بلد إلى آخر بقدر عراقة تجربته الدّيمقراطية وحجم انتشار ثقافة التنوّع والاختلاف وحقوق الإنسان فيه. وبحسب تقدير معظم الدّارسين فإن هذه الخصائص (وبعيدا عن أية نزعة عنصرية أو مركزية متعالية) أكثر تفشّيا في المجتمعات المتخلّفة أو التي هي في طريقها للنمو والتي تحكمها أنظمة متسلّطة كما في المجتمعات التي ما تزال في الطور الأوّل من أطوار الانتقال الدّيمقراطي كما هو الحال في تونس.

ولنأخذ أمثلة آنية على ذلك في بلدنا خلال هذه الأيام بل الساعات الماضية لنجد أن هذه «الجموع» تشترك في تقاسم ذات المواقف، الحماس لتدخّل «الجيش» لفض النزاعات النقابية (مثال ما راج خطأ عن تدخل المؤسسة العسكرية لتشغيل الناقلة البحرية) والحماس لتنفيذ حكم الإعدام في المتهمين بقضايا الاغتصاب والقتل (مثلا جريمة «قبلاط» وجريمة اغتصاب الطفلة ذات السنوات الثلاث) والمساهمة في شيطنة وتكفير أعضاء لجنة الحريات الفردية والمساواة واتهامها بأنّها وراء كلّ المصائب التي لحقت بالبلد والتي ستلحق به . والمؤسف في ذلك كلّه ليس حماس هذه الجموع لمثل هذه الآراء وإنما تبنّيها من قبل بعض المثقفين والإعلاميين ممّن نحسبهم حريصين على الحقوق والحريات والذين طالبوا في «تدوينات» منشورة لا بالإعدام فقط وإنما بتعذيب المتهمين في جرائم الاغتصاب حتّى الموت وأمام الناس و «بتنقيح المجلة الجزائية لإضافة عقوبة «الخصي الجراحي» للهمج المغتصبين».

ويمكننا أنّ نلاحظ أن الجامع بين هذه المواقف أو ردود الفعل أنها جدّية، حاسمة وقطعية ولا ترغب في سماع شيء آخر. فالحماس لتدخّل الجيش يتضمّن تأفّفا وضيقا شديدا بكلّ أطوار وصعوبات الانتقال الدّيمقراطي، فبدل الصبر والحرص على فض النزاعات، بشكل ديمقراطي و نقابي وسياسي وحضاري وهي ضريبة وثمن الانتقال الدّيمقراطي رغم كلفته الاجتماعية والاقتصادية الباهظة نمضي مباشرة للحل العسكري دون أن يعرف هؤلاء ولو قليلا بعض تاريخ المجتمعات التي رضخت للحكم العسكري وويلاته ودون أن يتذكّر هؤلاء أيضا أن الشعب التونسي قد ثار على نظام تسلّطي بوليسي وأطرد رموزه. ولا يخرج الحماس لتنفيذ حكم الإعدام والدعوة له عن هذه الدائرة فهم يحسبون أن التهاون مع الإضرابات وعدم التعاطي معها أمنيا، بل عسكريا يشبه تماما التهاون مع مرتكبي جرائم الاغتصاب والقتل في تنفيذ حكم الإعدام. وما يفوت هؤلاء أو ما ينسونه في غمرة الانفعال وغضبه أن المشرع التونسي نصّ في مجلّته الجزائية على عقوبة الإعدام في أكثر من 14 جريمة منها الاغتصاب المقترن بالقتل وأن وجود هذه العقوبة لم يمنع استمرار الجرائم. وهو ذات الاستنتاج الذي وصلت إليه معظم دول العالم في أن وجود عقوبة الإعدام لم تخفّض من جرائم الاغتصاب. بل زادت في عددها. هذا من جهة ومن جهة أخرى، فقد بيّنت عديد الدّراسات والإحصائيات وهذه من التشابهات والمفارقات التي تحتاج إلى كثير من التأمّل أن عقوبة الإعدام أكثر رواجا وانتشارا في البلدان التي ما تزال تحكمها أنظمة عسكرية أو «بوليسية» تسلّطية وأن المهدّدين بهذه العقوبة أغلبهم إما معارضون لهذه الأنظمة كما هو الحال مثلا في السعودية وإيران و مصر على سبيل المثال لا الحصر والمثير في الأمر أيضا أن أغلب المحكومين بعقوبة الإعدام ممّن تورّطوا في جرائم قتل واغتصاب وغير ذلك هم من الطبقات الفقيرة والفئات المهمّشة، أي من الفئات التي لم تتوفّر لها الإمكانيات المادّية لانتداب محامين ممتازين قادرين على الدّفاع عنهم.

وإذا أمعنا التأمّل والتفكير وهي أمور تضيق بها الجموع عادة فإننا نجد أن ما يقترحه تقرير الحريات الفردية والمساواة في استبدال كلّ القوانين والإجراءات المتداولة و التي تقوم على التمييز بين المرأة والرجل بمشاريع قوانين ترسّخ المساواة وتعلي من شأن الفرد واستقلاليته وحرمة جسده وكرامته إنما يهدف على المدى المتوسّط والبعيد إلى تجاوز الثقافة «الذكورية» التسلّطية التي تستبطن نظرة دونية للمرأة باعتبارها أحد العناصر المغذّية والمشجعة بوعي أو بغير وعي على التحرّش و«شرعنة التمييز» وإباحة الإكراه ومن ثمّة الاغتصاب.

لقد بيّنت التجارب المقارنة دونما شكّ أن ظواهر التحرّش والاغتصاب وكل أشكال العنف المسلط على المرأة والأسرة منتشرة أكثر في المجتمعات التي تخضع لأنظمة متسلطة سواء كانت ذات مرجعية دينية أو عسكرية، وهي أي هذه الظواهر، شديدة الارتباط بالمجتمعات التي ما تزال تشريعاتها وممارستها اليومية قائمة على التمييز وعلى سلطة الذكر وامتيازه وأنها أقل بكثير في المجتمعات الدّيمقراطية والتي شاعت فيها ثقافة المساواة وتقديس حرمة الجسد وكرامته وحريته الذاتية.

والجامع الأكبر بين المنادين بالتدخل العسكري وبعقوبة الإعدام وباستمرار القوانين التي ترسّخ التمييز وعدم المساواة توهّمهم بأن هذه الحلول «الجذرية» هي الأنجع والأسرع لتحقيق الأمن والأمان للعائلة والمجتمع والدّولة وتقديرنا أن هذه الرّدود والتي لا ترقى إلى مستوى المواقف والآراء لضعف حججها وهشاشة خطابها لا تمثّل حلولا للأزمة بقدر ما هي احد نتائج الأزمة ذاتها وأحد مظاهر مأزقها التاريخي والحضاري.

يتجه العالم اليوم إلى اعتبار الدّيمقراطية رغم كلّ مساوئها وسلبياتها التي يتمّ نقدها دائما ومعالجتها النظام الأقل سوءا وهو ينظر إلى البلدان التي تتحكّم بها أنظمة عسكرية وفاشيات دينية وبوليسية باعتبارها بقايا عهود متحفية متخلّفة تثير الخجل والعار، كما يعتبر هذا العالم ذاته أن المساواة بين المرأة والرجل مكسب إنساني وكوني لم يعد مطروحا للنقاش وأن مقاومة كلّ أشكال التمييز والدونية والتدخل في حياة الناس وحرياتهم أمر ضروري وحيوي من أجل تحقيق السعادة للإنسان/الفرد ومنحه إمكانية أن يعيش منفردا أو يؤسّس عائلة على قيم الشراكة والمساواة والحرية الذاتية التي لا تدجن الفرد بقدر ما تحقّق له الحرية والرّفاه، كما خلصت ذات المجتمعات إلى أن الاستثمار في التنمية والعدالة والسعادة ومقاومة أسباب الجريمة هي الطريق السليم لتخفيض الجرائم وهو ما حدث في بعض البلدان الأوروبية التي باتت سجونها خالية تماما بعد أن طوّرت الكثير من العقوبات البديلة التي باتت أكثر تأثيرا ونجاعة من عقوبة السجن فما بالك بالإعدام الذي اتضح أنّه يضاعف مشاعر التشفّي ويقوّي نوازع العنف ولا يخيف المجرمين بقدر ما يريحهم.

لقد نبّه مفكّرون كثر إلى حجم الانسجام والتفاهم وربما المصالح السياسوية المشتركة بين ذوي الاتجاه «المحافظ» و«الشعبوي» و«الفاشي/العسكري». وها أنّنا نرى على اختلافهم الظاهر في بعض المواقف والأحداث أنهم يلتقون في العائلة نفسها. وهذا الترابط يؤكّد أن بناء الدّيمقراطية لا ينبغي أن ينفصل عن بناء ثقافة العقلانية و المساواة وحقوق الإنسان والمدنية والعلمنة غير المعادية للدّين، وأنّنا نفشل في بناء مؤسساتنا الدّيمقراطية كلّما تباطأنا في انجاز هذه الاستحقاقات وإشاعة هذه الثقافة الحديثة.