الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات



تلوينات

في ثقافة الهيبة وعقدة قتل الأب في تونس


تنامى اليوم في تونس الحديث عن ثقافة الهيبة وعن غياب هيبة الدولة، خاصة بعد تداول مواقع التواصل الاجتماعي لمقطع اعتداء شاب على عون أمن في عمر والده. وفي الواقع فإن لثقافة الهيبة تاريخا طويلا في تونس. فالهيبة مرتبطة تاريخيا بتخصيص لباس لكل فئة من فئات موظفي الدولة التونسية، علاوة على تخصيصها بمركوب مميّز لها وإلزامها باتباع مجموعة من المراسم في المجالس الرسمية الأعياد والمناسبات العامة.

والهيبة في معاجم اللغة العربية مصدر من فعل هاب الذي يفيد معاني الخوف والحذر مِن، والتعظيم والإجلال لـ... ولكنها على الصعيد الاصطلاحي قد تلاشت خاصة بعد ثورة 14 جانفي وكما سنرى لفائدة ثقافة ثائرة جديدة وافدة على بلادنا هي ثقافة الهيب هوب التي انتشرت فينا وحولنا دون أن نقدر على الإصداع باسمها أو الانتساب لها.

الهيبة في التراث الفكري التونسي:

تحفل كتب التاريخ بالتزام النخب العلمية والأدبية في تونس خلال العصر الوسيط بشخصية قوية فرضت احترامها على الحكام وفي الأوساط الشعبية، وكانت تراجم حياته وسيره تحتوي على صفة الشخصية المهيبة وعلى أن العالم الفلاني كان مهابا.

وقد ارتبطت الهيبة أيضا بارتداء اللباس الرسمي، وكان يستدل بحادثة وقعت للمعزّ بن عبد السلام الذي استخف به بعض العوام لأنه ترك لباسه الرسمي، فلمّا «عاد إلى لباسه المعروف» انصاع لقوله الناس وهي الحادثة التي اتعظ منها علماء تونس، حيث كان ابن عرفة مثلا يتمثل بالقول: «لا ينبغي لمن اتصف بالطلب الذي يسأل معه عن المسائل أن يدع هذه التحريمة لأنها أوقأ له من شرّ العوام وأذعن لقبول قوله».

أما قدوة النخب التونسية في مسألة الهيبة فإنها تتمثل في إمام مذهبهم مالك بن أنس الذي كان يتخذ حاجبا أمام منزله، وكانت له عادات شخصية معلومة لا يخرج عنها زواره من الطلبة والعلماء. لذلك اعتبره علماء تونس ليس مدرسة علمية فحسب وإنما أيضا مدرسة سلوك تأدبوا بها.

وكان الفاطميون نشروا أيضا ثقافة عدم ابتذال العلم بإتاحته لمن لا يطلبه أو لا يحترمه أو يعجز عن تلقيه. فالحكمة يجب أن تُصان في نظرهم من الإسفاف بها. وهذا من معاني الهيبة.

وقد ترك أبو عبد الله محمد الأنصاري الرصاع صاحب كتاب الفهرست مقولة شهيرة لابنه هي: «يا ولدي رأينا الملوك تتصاغر لهم (للعلماء) وينزلون إلى دورهم ويقبّلون أكفهم»، وذلك لما تحلّوا به من عزة وترفّع وهيبة.

الهيبة في الثقافة السياسية:

أما في زمننا المعاصر فإنه ومنذ تولي الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة مقاليد الحكم حرص على تكريس هيبة الدولة من خلال خطاباته الرامية إلى تكريس ثقافة احترام مسؤولي الدولة التونسية الفتية، ذلك أنه عندما وقع تعيين كفاءات إدارية شابة من خريجي الجامعات في مختلف المناصب بدولة الاستقلال تعرضوا إلى استخفاف من المقاومين والفلاقة الذين كانوا يدخلون عليهم دون استئذان ويستخفون بهم، فنبّه بورقيبة في مناسبة أولى من هذه السلوكات وفضحها، مبيّنا أنه لا ينبغي بإسم المشاركة في تحرير تونس الاعتداء على حرمة مسؤوليها، وفي مناسبة ثانية تحامل بشدّة على المقاومين والفلاقة الذين داسوا على هيبة المسؤولين، وحط من شأنهم عندما اعتبرهم مجرّد حاملي «مكاحل مكبّسة» أي بنادق قديمة معطلة ومربوطة بأسلاك الحديد، وأنهم مجرد فرسان فلكلوريين بعد القضاء على العروش وتفكيك الروح القبلية.

وفي حادثة أخرى قام الرئيس بورقيبة بطرد أحد أمراء الخليج لأنه صفع تونسيا، تاركا في الغرض مقولة شهيرة: «ما عنديش مواطن تونسي يتهان في بلاده»، ونلاحظ هنا أن هيبة تونس من هيبة مواطنيها كما بدا في هذه المقولة، وأنها كذلك من هيبة حرمة أراضيها لذلك همّ بورقيبة، بعد العدوان الإسرائيلي الغاشم على حمام الشط، بصفع سفير أمريكا بتونس لولا تدخل بعض مستشاريه لمنعه بلطف من القيام بذلك.

وعلى أثر عودة الروح إلى البورقيبية بعد الثورة نجح الأستاذ الباجي قايد السبسي في الانتخابات الرئاسية بفضل رفعه لشعار كبير في حملته الانتخابية هو إرجاع الهيبة للدولة التونسية. ولهذا وقع الانتصار لمعتمد سيدي حسين الذي اعتدت عليه موظفة تحت إشرافه بمقر المعتمدية بالصفع وعلى مرأى من الناس.

كسر جدار الخوف بين المراهقة الفكرية وعقدة قتل الأب:

إن ما وقع الاصطلاح عليه في تونس قبيل الثورة وبعدها بكسر جدار الخوف يُخفي في الحقيقة فكرة قتل الأب، داخل الأسرة وفي الإدارات والمؤسسات أي الجنوح والتمرّد والاستخفاف وهي سلوكيات لا تعتدي على هيبة الأب والمسؤول والأكبر سنا فقط وإنما تعكس مراهقة فكرية وانخراطا عن جهل في مسارات حضارية غربية دخيلة على المجتمع التونسي لكنها تسربت بقوة وبمكر عجيب داخل قيمه وأخلاقه وسلوكيات أفراده.

إن كسْر جدار الخوف أو بعبارة أخرى انهيار قيمة الاحترام والتوقير أو التعدّي على هيبة المسؤولين والأولياء يستبطن جذورا وخلفيات حضارية وافدة من بعض الدول الأوروبية، انطبعت في عقل التونسي وتمظهرت في سلوكه دون أن يعي بها.

ويُلاحظ في هذا المعنى كيف تسربت -منذ عقود وفي إطار مشروع العولمة- فكرة القتل الرمزي إلى الثقافة التونسية، فانتشرت نظرية قتل المؤلف في الأدب وتفجير الأجناس الأدبية أي محو الحدود بينها، واعتماد عقدة أوديب في النقد الثقافي النفسي وفي علم الاجتماع النفسي وغيره من علوم مجاورة وذات صلة، إضافة إلى تنامي الحديث عن موت التاريخ ونهاية الجغرافيا... وعن موت الإنسان في عصر الروبوهات... وكلها أفكار تنفتح من غير وعي من مستهلكيها على أهداف العولمة التي تسعى إلى السيطرة على الأفراد بعد تفكيك الأسرة وإلى السيطرة على الشعوب والبلدان بعد إلغاء الحدود بين الدول لمصلحة الشركات العابرة للقارات ومن أجل التمكن من نشر السلع والأفكار في عالم منفتح على بعضه البعض لكن يحكمه الأقوى والأذكى.

أليس هذا هو الاستعمار الجديد لكن الناعم الذي يبدأ من تخطي قيمة «الهيبة» حتى تنهار الدولة وتضعف قيمة العمل بضعف سلطة الرقابة والمعاقبة، وتصبح بالتالي مجرد سوق استهلاكية للسلع والمنتوجات الثقافية؟

ولا ريب أيضا في أن رمزية قتل الأب في الأسرة والمجتمع وفي هياكل الإدارة والإنتاج، وكذلك في الخطاب الثقافي يترجم لنزعة تحول حضاري كبير من مجتمع تونسي ذكوري ذي جذور تاريخية رعوية إلى مجتمع شبه غربي بطابعه الماتريركي أي الأموي، نسبة إلى الأم، التي ارتبطت بالحضارة الغربية ذات المجتمعات الزراعية، أي من مجتمعات القمر (العرب) إلى مجتمعات الشمس (الغرب)، ولهذا توقيتهم الميلادي شمسي وتوقيتنا الهجري قمري. ونلاحظ هنا ذكاء الأقليات المثلية في استعمال تسميات مثل جمعية شمس ومحاولة بعث محطة إذاعية على الواب «شمس راد»، ويصب جميعها في معنى أقصى هو الأنوثة وفي معنى أدنى هو التخنث.

إذن ليس ممكنا فرض نمط تفكير جديد وإحلال ثقافة عالمية في مكان ثقافات محلية كثيرة، منها الثقافة التونسية دون قتل خفي وممنهج لرموزها وبلا قضاء على مرجعياتها، وهذا هو معنى نهاية عهد الهيبة للسلطان بكافة تجلياته وبجميع مستوياته داخل المؤسسات الأسرية والمجتمعية والاقتصادية والإدارية والثقافية...

والغريب أن النيل من قيم الإجلال والتعظيم والتقديس يتعدى الأشخاص إلى المؤسسات والأفكار والقيم، وكانت مقدمته انتشار خفي لكن واسع لدى الأجيال الناشئة لثقافة الهيب هوب التي عوضت ثقافة الهيبة، خاصة وأن ثقافة الهيب هوب قد نشأت في الشوارع وضمن المظاهرات والحركات الاحتجاجية على الحكومات بأمريكا قبل أن تنتشر في بقية أرجاء العالم ومنه بلادنا في إطار آخر يقوم على توظيف سياسي ثقافي يعتمد على أسلوب التمرد الفني والاجتماعي عن طريق الديدج وهو التلاعب بالموسيقات قبل أن يتفرع عنه الراب وهو فن التلاعب بالكلمات في سياقات النقد الاجتماعي والسياسي، كما تفرع عن حركة الهيب هوب فن الخربشات على الجدران وغيرها من فنون الشارع التي تحمل روحا تمردية، قد تبدو مراهقة، وقد تلوح جميلة وجريئة إلا أنها لا تقود في الأخير إلا إلى خلخلة الثقافة السائدة وتدمير سلطتها في مختلف تمظهراتها الاستبدادية والديمقراطية على حدّ سواء لتهيئة الأرضية لثقافة كونية غازية ما انفكت تحبك خيوطها غرف تفكير عالمي تكاد في خضم الانفجار الكبير للمعلومات أن تكون محض تخيلات رغم ما صدر حولها من إصدارات ورغم ما أصدره أعلامها من كتب مترامية الأطراف في شهرتها العالمية.

 

 


منصور