الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات


هكذا أرى
الروائي حنّا مينهْ

... الذي لا يحبّ الذين لا يستريحون إلا... على مؤخراتهم...!


بقلم : محمد مصمولي

الرجل الذي زار تونس ذات عام من الأعوام البعيدة التي طواها الزمن.. إسمه .. (حنّا مينهْ) هو رجل ليس كأيّها الناس..

.. رجل مختلف لا فقط لأنّه روائي من كبار الروائيين في العالم العربي، (له أكثر من ثلاثين رواية على الأقل).. بل لأنّه إثر هذا الكمّ الهائل من الانتاج، وما رافقه من مسرحيات باللهجة السورية.. قد قال ذات مرّة:

... ـ :«المهمّ أنني لم أفكر، وأنا حلاق ومناضل سياسي مطاردٌ... بأنّني سأصبح كاتبا... كان ذلك فوق طموحي..!».

... وأضاف قائلا:

ـ: «صدّقوني إنني الآن كاتب دخيل على المهنة، وأفكّر، بعد هذا العمر الطويل، في تصحيح الوضع.. والكفّ عن الكتابة.. فمهنة الكاتب ليستْ سوارا من ذهب، بل هي أقصر طريق إلى التعاسة الكاملة. لا تفهموني خطأ، الحياة أعطتني.. وبسخاء.. يقال إنني أوسع الكتّاب العرب انتشارا مع نجيب محفوظ بعد نوبل، ومع نزار قباني وغزلياته التي أعطته أن يكون عمر بن أبي ربيعة القرن العشرين..!».

هل نصدق أم لا نصدق أنّ هذا الرجل الذي ملأ العالم العربي بإنتاجه الروائي.. وشغل القراء والنقاد والدارسين لم يفكر بأنّه سيصبح كاتبا، وعندما أصبح كاتبا من المشاهير.. بات يفكر في تصحيح الوضع.. والكف عن الكتابة؟

... صحيح أنّ مسيرته الطويلة كانت ـ كما قال: «مشيا بأقدام حافية.. في حقول من المسامير، وأنّ دمه سال في مواقع خطواته»، الأمر الذي جعله ينظر إلى الماضي نظرة حيادية.. فيرتعش ويعتبر نفسه «من المحكومين بالإعدام مع وقف التنفيذ..».

... وصحيح أيضا... أنّه في تحصيله العلمي، شبه المعدوم، قد غادر المدرسة التي لم يتعلم فيها إلا تفكيك الحرف، كما يقال...

لكنّ الصحيح أيضا أنّه مثل صديقي شاعر تونس الراحل (منور صمادح).. كان ذا موهبة فذّة جعلت منه، برغم تلك العصامية، من أكبر الروائيين في سوريا والعالم العربي كما جعلت من منور صمادح من أكبر الشعراء في تونس وفي العالم العربي أيضا..

* * *

يقال عنه أنّ البحر كان دائما مصدر إلهامه الروائي حتى أنّ معظم أعماله مبللة بمياه موجه الصاخب، موج البحر (له أكثر من ثماني روايات عن البحر).

ويقول عن البحر:

... ـ:«في البدء لم أقصد شيئا، لحمي سمك البحر، دمي ماؤه المالح، صراعي مع القروش كان صراع حياة، أما العواصف فقد نقشت وشما على جلدي، إذا نادوا: يا بحر، أجبت أنا.. البحر أنا فيه ولدت، وفيه أرغب أن أموت..!».

ويلاحظ أنّ الأدباء العرب، أكثرهم.. لم يكتبوا عن البحر لأنهم خافوا معاينة الموت في جبهة الموج الصاخب فيقول:

ـ : «.. لا أدّعي الفروسية (المغامرة نعم) أجدادي بحّارة هذه مهنتهم، الإبن يتعلم حرفة أهله.. شخصيا قد إحترفت العمل في الميناء كحمّال، واحترفتُ البحر كبحّار على المراكب. كان ذلك في الماضي الشقي والماجد من حياتي، بعد ذلك، اشتغلت في مهن كثيرة من أجير مصلّح دراجات، الى مربي أطفال في بيت سيّد غني، كان يسومني العذاب مرّا إذا بكى طفل، أو مرضت طفلة، إلى عامل في صيدلية، إلى حلاق، إلى صحفي، إلى كاتب مسلسلات إذاعية باللهجة العامية، الى موظف في الحكومة، مع كلّ ما تقوم به الوظيفة من تدجين بطيء..!».

ألم أقل أنه شبيه بمنور صمادح الذي عمل في مهن من نفس النوع تقريبا؟

* * *

... هذا هو (حنّا مينه) المختلف

.. (حنّا مينه) الذي يكره الطرق المعبدة..

... (حنا مينه) الذي دأْبهُ اكتشاف المناطق المجهولة في أدبنا: البحر، الغابة، الجبل، الثلج، المعركة الحربية، البلدان البعيدة، النضال الوطني السري، الموت، الجنون، الشجاعة، البطولات الشعبية، الموروثات والمأثورات والصور الغريبة..

... (حنّا مينه) الذي لا يحبّ الذين لا يستريحون إلا.. على مؤخراتهم...

* * *

... الرجل الذي زار تونس.. ذات عام من الأعوام البعيدة التي طواها الزمن.. وكان لي شرف الجلوس والتحاور معه... هو (حنا مينه) الذي سيبقى حاضرا في الغياب بعد رحيله، في هذا الشهر من سنة 2018، إلى العالم الآخر.. ربّما لمواصلة اكتشاف المناطق المجهولة.