الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات


نقاط وحروف
على هامش رفضها لمبادرة المساواة في الميراث

هل تنوي النهضة جعل الفصل الأوّل من الدستور «حصان طروادة»؟


بقلم: كمال الشيحاوي

 

توقّع كثير من المحلّلين والمتابعين للشأن التونسي داخليا وخارجيا أن يستمرّ الجدل حول تقرير الحريات الفردية والمساواة لفترة ربّما تمتد إلى ما بعد انتخابات 2019. وما يدعم هذه القراءة المستقبلية ويبرّرها هي الحسابات السياسية والانتخابية للكثير من الأحزاب والتيارات السياسية وخصوصا حزب «حركة النهضة» الذي سيحرص بكلّ الطرق الممكنة على ألاّ يخسر قاعدته الانتخابية الشعبية المحافظة. وها قد صدقت تنبؤاتهم مع صدور البيان الختامي للدورة 21 لمجلس شورى حركة النهضة الذي انعقد يومي السبت والأحد 25 و26 أوت الجاري في مدينة الحمّامات. فقد تضمّن البيان تشخيصا لوجهة نظر الحزب تجاه عديد القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية الوطنية وتوضيحا صريحا لموقف الحركة من مبادرة رئيس الدّولة «الباجي قائد السبسي» من مسألة المساواة في الميراث والذي كان قطعيا في رفض هذه المبادرة. وقد جاء الموقف في البيان على هذا النحو:

«وبعد نقاش مستفيض يؤكدّ مجلس الشورى: التزام الحركة بتطوير حقوق المرأة والرفع من منزلتها في القانون والواقع، والتمسك بقيم العدل والإنصاف.

وقرر مجلس الشورى التمسك بنظام المواريث كما ورد في النصوص القطعية في القرآن والسنة، وعبرت عنه مجلة الأحوال الشخصية.

ويؤكد أنّ مبادرة المساواة في الإرث فضلا عن تعارضها مع قطعيات الدين ونصوص الدستور ومجلة الأحوال الشخصية تثير جملة من المخاوف على استقرار الأسرة التونسية ونمط المجتمع.

ويدعم المجلس كل مسعى لتطوير المجلة، بما يسهم في ضمان حقوق المرأة، وبما لا يتعارض مع النصوص القطعية في الدين ونصوص الدستور.»

ولعلّ أوّل ملاحظة يمكن أن نسجّلها في خصوص هذه النقطة من البيان أن مجلس شورى حركة النهضة لم يهتمّ بعديد الاقتراحات والآراء التي تضمّنها التقرير الوارد في أكثر من مائتي صفحة والخاص باقتراح تعديل عشرات القوانين والمناشير والاجراءات التي تتعارض مع الدستور ومبادئه التي تؤكّد على الحرية والمساواة ورفض كلّ أشكال التمييز مهما كانت مرجعياتها وركّز بالأساس على مسألة المساواة في الميراث دون غيرها. وهذا التركيز يؤكّد بلا شكّ الطابع الشعبوي والحسابات الانتخابية الصريحة لهذا الموقف. فمعلوم أن معظم ردود فعل الشارع التونسي الذي ما يزال في ثقافته وحساسيته ومصالحه أيضا «رجاليا» و«ذكوريا» قد تركّزت بشكل أساسي على مسألة المساواة في الميراث وهو قانون يحسب الكثير من الرّجال التونسيين أنّ مصالحهم ستتضرّر منه على نحو كبير. ولا يحتاج هذا التحليل إلى ما يبرّره باعتبار أن حجّة وجود آية قرآنية صريحة في القرآن تنظّم المواريث على أساس «للذكر مثل حظّ الأنثيين» ليست فقط انتقائية وإنما غير جدّية أيضا لأن من يدافع صراحة عن الآيات قطعية الدلالة ينبغي أن يكون منسجما في خطابه ومنطقه ويدافع بنفس الخلفية والمرجعية عن كلّ الأحكام والحدود التي وردت في القرآن صريحة وقطعية في دلالتها مثل العقوبات الجسدية من جلد وقطع للأرجل ونفي في الأرض وآيات الرّق وما ملكت أيمانكم وغير ذلك.كما كشف البيان فعلا ودونما تحامل عن حقيقة استمرار ازدواجية الخطاب لدى حزب حركة النهضة الذي لم يتحرّر من شقّه الدعوي وإرثه «الإخواني» المحافظ (وهو أمر متوقّع موضوعيا باعتباره حزبا محافظا بامتياز) وما يزال يناور فكريا وإيديولوجيا وسياسيا ليكشف عن حجم التناقض الفكري الذي بات يشقّ رؤيته ومرجعيته فهومع ضمان حقوق المرأة، بما لا يتعارض مع النصوص القطعية في الدين ومجلّة الأحوال الشخصية ونصوص الدستور. وهذه لخبطة وفوضى اصطلاحية وفكرية كبيرة جدّا، بل نكاد نجزم بأنها سفسطة بلاغية «خبيثة» حين تفترض أن مطلب المساواة في الميراث يتعارض مع دستور 2014 الذي يؤكّد صراحة مبدأ المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة ومع مجلة الأحوال الشخصية التي تعدّ رائدة في تطوير الحقوق بما يتناسب ومقاصد الشريعة لا نصوصها القطعية (فتعدّد الزوجات الذي صار ممنوعا منذ عشرات السنين في تونس فيه آية صريحة تبيحه أيضا). ومع ذلك وعلى خلاف ما يبدو في الظاهر من وضوح في موقف حركة النهضة الرّافض لاقتراح قانون يساوي في الميراث إلاّ أن المتأمل في البيان يمكنه أن يتبيّن بالتحليل والتدقيق أن الحركة قد تركت الباب مواربا ولم تغلق النقاش نهائيا حول الموضوع، ما يعني أنّها تحتفظ بأوراق ومستندات أخرى أيضا يمكن أن تساعدها في المستقبل على إيجاد مخرج «شرعي» ومقاصدي من داخل المدوّنة الفقهية يشرّع للمساواة وهوما عبّر عنه «لطفي زيتون» مثلا في تصريح إذاعي حين اعتبر أن «للذكر مثل حظ الأنثيين» هوالحدّ الأدنى وأن الإسلام جاء من أجل المساواة التامة بين الرجل والمرأة في الميراث وفي كلّ الحقوق. المهمّ في كلّ ذلك أن يتمّ الأمر تحت رعايتها وأن تعود نتائجه ومكاسبه إن حصلت لها هي وليس لخصومها السياسيين المباشرين ومنهم «نداء تونس» الذي يسعى رئيسه «التاريخي» و«الشرفي» «الباجي قائد السبسي» لاستثمار هذا الاقتراح وهذا التقرير لفائدة الحزب في الاستحقاقات السياسية القادمة.

وما يؤكّد هذا التمشي ليس مضمون البيان فقط وإنما نبرته التي تكشف في كلّ ما جاء فيه من تشخيص للأوضاع العامة في تونس عن حجم القوّة والاستعلاء والتأكيد على إمساك الحركة بكلّ خيوط السلطة في البلاد. وهو أمر مفهوم باعتبارها الكتلة الأولى في البرلمان اليوم وهي الوحيدة التي تسند حكومة الشاهد إلى حدّ الآن فضلا عن كونها الحزب الأوّل الفائز في الانتخابات البلدية التي جرت مؤخّرا.

لقد أكّد البيان في الجانب الخاص بالموقف من قانون المساواة في الميراث المقترح أن الجدل القانوني والدستوري والفكري ما يزال مستمرّا بين موقف يؤكّد على أن الفصل الثاني الذي ينصّ على مدنية الدولة هو روح الدستور(نتذكر خطاب رئيس الدولة في 13 أوت الفارط) وبين موقف يرى أن الفصل الأوّل الذي ينصّ على أن الإسلام دينها هو أعلى ما فيه(حديث عبد الكريم الهاروني رئيس مجلس الشورى لإذاعة موزاييك بعد أيام قليلة من خطاب الرئيس). وطالما لم تتفق الكتل البرلمانية حاليا على اختيار أعضاء المحكمة الدستورية المؤهلة للحسم في هكذا خلافات في تأويل الدستور واستخراج القوانين المنسجمة معه (وهو أمر يبدو أنّه سيتأجّل لما بعد انتخابات 2019 لاعتبارات انتخابية صريحة) فإن النزاع قائم والخلاف ما يزال مستمرّا ومن بين الأمثلة الدّالة على استمرار هذا التشتّت والغموض في الموقف مسألة زواج المسلمة بغير المسلم الذي بقي محلّ استثمار سياسي حتّى الآن. فالقانون الحالي الأعلى من المناشير والإجراءات يمنع ذلك بينما يوجد تأويل قانوني آخر يبيحه.

وعلى خلاف من يعتبر أن موقف النهضة الوارد في هذا البيان سيعطّل تمرير قانون المساواة في الميراث فإن ثمّة من يرى أن هذا الموقف سيساعد في المستقبل بعد أن نجح في امتصاص كلّ التيار الرّافض وطمأنته وتدجينه إلى تمريره بطريقة سلسة تقنع غالبية الرّافضين بأن ذلك هو الأفضل للتونسيين جميعا. فالمساواة تيار عالمي وحق كوني وإنساني جارف ومن يقف ضدّه كمن يجدف ضد المستقبل. ولتأكيد ذلك علينا أن نتذكّر ما جرى في قضية تضمين الشريعة في الدستور وفي موضوع تمرير مسألة أن المرأة مكمّلة للرجل وفي مسألة حرية الضمير والمعتقد فقد رضخت النهضة لقوى المعاصرة والتقدّم خارجيا وداخليا خاصّة التي ضغطت عبر الشارع والمجتمع المدني والمنظمات الوطنية وناورت «النهضة» بقبول كل ذلك مع الإبقاء على الفصل الأوّل من الدستور الذي حسبت أنّه حصان طروادة الذي وضعته في قلب الدستور من اجل السيطرة عليه من الدّاخل. و(ذلك من أوهامها وممّا أسكتت به أنصارها).

يقيننا أنّ الحسابات الانتخابية والسياسية الضيّقة لن تفيد في المستقبل فالتيار الدّافع للحرية والمساواة أكبر من أي اعتراض لا قيمة له سوى في ربح بعض الوقت وتأجيل الحسم لا أكثر ولا أقل ومع ذلك فإن لدينا مخاوف من أنّ دفع الصراع السياسي في أفق انتخابات 2019 إلى المربّع الإيديولوجي مرّة أخرى وحصره بين المتخاصمين حول هوية المجتمع ودينه وحقوق المرأة سيساهم بقوّة في تخفيض نسبة المشاركة في الانتخابات وفي العزوف عنها وهوأمر لعلّه يصبّ في مصلحة حزب حركة النهضة وحزب «نداء تونس» وما جاوره من أحزاب تنازعه الاستثمار في المشروع الوطني العصري لتونس.