الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات



أفكار

الفن في زمن الكوليرا


بقلم : منيرة رزقي

إذا كنا نعيش حالة اكتظاظ في القاع ومضينا أبعد من الحضيض في كل المجالات وهو ما يجعلنا نعيش أزمة متعددة الأبعاد فإننا كنا نأمل أن يكون الفن ملاذنا الأخير والمرفأ الذي نفر إليه كي لا تقتلنا الحقيقة.

لكنه من المؤسف حقا أن الركض نحو الحضيض والإقامة فيه شمل المجال الفني أيضا وتنقل إليه كعدوى الكوليرا التي تفشت بشكل سريع ومميت ولم يسلم منها إلا من رحم ربك.

فالفن كحقل للتميز والفرادة والإبداع الذي دوما يكون تقدميا وسابقا لعصره وهو الذي قدم للتاريخ أزهى أمجاده لا يحفل كثيرا بالأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بل على العكس من ذلك هو يتفوق عليها ويتجاوزها ويسمو بالإنسان في اتجاه حلم أكبر يجعله قادرا على البناء والتأسيس.

وليس هذا فحسب فالمسرح والسينما والموسيقى والدراما التلفزية والرواية والشعر والفن التشكيلي كلها أدوات بل أجزم أنها أسلحة في يد الفنان ليعري واقعه ويشرّحه فهو الصادق عندما يصمت الجميع.

ولنا في تاريخنا المعاصر أمثلة لا حصر لها فبقدر ما كان الوجع الفلسطيني على سبيل الذكر كبيرا بقدر ما ولد من رحم القضية مبدعون عباقرة من شعراء المقاومة وشعراء الثورة كمحمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد وعز الدين المناصرة ومريد البرغوثي. كما برع في الرواية كل من صاحب المتشائل إميل حبيبي وسحر خليفة وقبلهم فدوى طوقان شاعرة الحرية والقائمة تطول.

وعندما كان الجيش المصري يخوض الحرب ضد العدو الصهيوني كانت «الست» تجول بصوتها العظيم لتطرب وتجمع المال للمجهود الحربي وكان شاهين وصلاح أبو سيف يقدمان سينما واقعية رائدة وكان شاهين يعكف على التجريب في حين يتنافس نجيب محفوظ ويوسف إدريس وآخرون على تطوير الرواية العربية والبحث عن مكان لها تحت شمس العالمية.

وعندما كان المصريون يخوضون حرب الاستنزاف وقد ضاق الخناق الاقتصادي عليهم كان العندليب يقدم تجربة استثنائية في الغناء وكان عبد الوهاب يؤسس أركان مدرسته الموسيقية وعبد الرحمان الأبنودي وأمل دنقل يقولان الوجع المصري بكل تلاوينه.

أما عندنا فيكفي أن نقول أن تونس التي كانت ترزح تحت نير الاستعمار أنجبت الشابي الذي كان يصارع المستعمر والمحافظين والمرض في الوقت نفسه بإرادة لا تفل هي إرادة الحياة ويقدم نشيد الجبار ويهزأ بالظالم المستبد.

إذن كان الفن دوما سلاحنا لمواجهة أعاصير السياسة وتقلبات الاقتصاد والانحرافات الاجتماعية ولكنه اليوم لم يعد كذلك بعد أن سرت الكوليرا إلى هذه القطاعات وبات انعكاسا لما يحدث فيها والحقيقة أن هذه الظاهرة شاملة ولا تعني بلادنا فحسب فهي تشمل كل العالم العربي ويكفي أن نلقي نظرة على الأخبار الفنية اليوم لندرك بشاعة المناخ الذي بتنا نعيش فيه.

فما رأينا في الفنان الذي يلقب بالمعلم والذي صعد بسرعة صاروخية ولكنه يتهم وللمرة الثانية بالاغتصاب وهي جريمة بشعة يفترض ألاّ يشتبه فيها فنان يغني للعواطف السامية وله ملايين المعجبين. وليس هو الوحيد في هذا الصدد فوقائع العنف التي تنسب لعديد الفنانين وصراعاتهم وحروبهم المعلنة لم تعد خافية على أحد.

كما أن مثولهم أمام المحاكم صار أمرا اعتياديا وكذلك القبض عليهم متلبسين بما تيسر من مشتقات المخدرات ويتساوى في هذه الأمر الجميع الفنانة الكبيرة ذات الصوت الجميل والفنانة «الدلوعة» التي لها مؤهلات أخرى غير الصوت والفنان الشعبي وغيرهم.

وعن حالات التحيل والصكوك التي لا تملك رصيدا فحدث ولا حرج وبات الأمر اعتياديا ومألوفا سواء في المشهد التونسي والعربي حتى أنه لم يعد يثير إشكالا بل لعله مصدر تباه وربما بطولة لسنا ندري. فيحدث أن يغادر الفنان «المسطول» أو المتحيل زنزانته ليذهب رأسا إلى المنابر التلفزيونية ليحدثنا عن تجربته ليس من باب العظة وإنما من باب الافتخار وكأنه عاد من جبهة قتال العدو.

يحدث هذا في ظل غياب قيم فنية راقية تبعث الأمل وتؤسس للحلم من أجل بناء إنسان جديد قادر على أن يكون له فعل وانجاز في المستقبل فما دمنا خسرنا الحاضر فلا ضير من أن نحمي هذا الآتي على الأقل.

لكنها الكوليرا التي تعصف بكل شيء، هي ذاك الهواء الأصفر الذي بات يسمم الأجواء ويقتل الزهور التي ترنو إلى أن تتفتح، هي ذاك الوباء الذي لم يسلم منه أحد وعصف بالجميع كجائحة مرت على كل الحقول.

بالمناسبة الكوليرا هنا ليست استعارة ولا مجازا إنها حقيقة ماثلة أمامنا اليوم.