الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات



مشاهدات

لماذا تقصّر التلفزة الوطنية في التوثيق لأعلام الثقافة التونسية ورموزها الحيّة؟


إن متابع البرامج والمنوعات التلفزية في مختلف الفضائيات التونسية يُلاحظ غلبة الطابع الترفيهي عليها، بما يعكس نزعة تجارية لدى القائمين عليها وتوجها نحو الاستقطاب الشعبي على حساب العُمق الثقافي للبرامج التلفزية التي كان يُنتظر منها أن ترتقي بالذائقة الفنية وأن تنهض بوعي الناس، لكن الغاية التجارية رجّحت كفّة الاعتماد على الفن السهل والسريع، أي اللايت حتى لا نقول الهابط، وفي مقابل التعريف بنجوم الراب وبفنانات زادُهن الجمال واللباس القصير وبفكاهيين من الذين من فرط تسويقهم في البلاتوهات التلفزية صاروا مؤنسين للمواطن التونسي داخل بيته وأمثلة يقتدي بها الأطفال ويتشبّه بها المراهقون.

وبهذا تشكلت ثقافة جديدة في تونس هي ثقافة مائعة لا عمق فكري لها أو رسالة أو اتجاه موحد، حيث لم يكن ممكنا تصعيد وجوه ثقافية وفنية جديدة وإضفاء شهرة شعبية عليها، ومنحها بالتالي سلطة رمزية وشرعية ثقافية ذات تأثير واسع -على الرغم من ضحالة تكوينها الفكري- إلا بعد تهميش كبار المبدعين ورموز الثقافة التونسية من مفكرين وكتاب وفنانين.

وفي هذا الإطار ولو أخذنا بعين الاعتبار الطابع التجاري لمعظم القنوات التلفزية الخاصة، وإن حملت شعارات نبيلة، فإنه لا يبقى أمامنا إلا المراهنة على التلفزات العمومية لإنقاذ الثقافة التونسية من جهود النزول بها نحو الابتذال والتسطيح والإسفاف، وهذا واجب وطني محمول عليها، باعتبار أن الإعلام العمومي قد أحدث بالأساس لخدمة الشعب التونسي والارتقاء بأفراده سلوكا وأخلاقا وأفكارا.

وبعيدا عن كل تعقيد فإن ما يُنتظر من البلاتوهات بالقناتين العموميتين الأولى والثانية هو تسليط الأضواء على النخب الفكرية والثقافية والجامعية من ذوي القيمة الثقافية المضافة والعالية، الذين يعملون في صمت ويُثرون المكتبة الإبداعية والفكرية التونسية بأعمالهم القيّمة ويحصدون الجوائز الإقليمية والدولية.

أما الأمر العاجل الذي نأمل أن تضطلع به خاصة القناة الوطنية الأولى اليوم وأكثر من أي وقت مضى وحسب ما هو متداول في الفضاءات الثقافية فيتمثل في التوثيق لتراجم بناة الثقافة التونسية بعد الاستقلال، وهم بقايا الرعيل الأول لدولة الاستقلال، من أجل التعريف بهم لا سيما لدى الأجيال الجديدة الصاعدة، ثم من أجل تكريمهم معنويا ورمزيا وأيضا بهدف الاستئناس بآرائهم ومواقفهم في القضايا الراهنة الحارقة، خاصة وأن بعض هؤلاء المثقفين والمبدعين والمناضلين الثقافيين قد بلغ من العمر عتيا، ولكن قد حافظوا رغم ذلك على لياقة فكرية عالية، على غرار الشاذلي القليبي والبشير بن سلامة وأحمد خالد ونور الدين صمود وعز الدين المدني وأحمد الطويلي وعبد العزيز بلعيد... فما كان أحرى بالتلفزة الوطنية أن تفكر ومن منطلق وطني في إنجاز ولو برنامج قصير الهدف منه حفظ الذاكرة الثقافية الحية عن طريق تصور تلفزي ذكي ومجدد لمحاورة مثل أولائك الأعلام الذين صاروا تقريبا نسيا منسيا وجزءا من الأرشيف التونسي رغم أنهم مازالوا أحياء، -وهذا الجحود بعينه- والتعريف بدقائق حياتهم وبمساراتهم الإبداعية والفكرية والمهنية ذات الصلة، ورد الاعتبار لهم والتحسيس أن أمثالهم هم من ينبغي أن يكونوا قدوة حسنة للأجيال الشبابية، وليس فناني الراب والفكاهيين الشبان، وحتى يبقى مثل هذا النوع من البرامج التلفزية التي تعتني بأعلام الثقافة التونسية وبرموزها الحيّة اليوم وثيقة مرئية مهمة ومرجعية للباحثين والدارسين في المستقبل.

 


منصور