الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات


وجهة نظر
العنف الافتراضي الأزرق:

لعنة السياسة تلحق فضاء ولد حالما


لسنا ندري كيف سرت العدوى من العالم الواقعي الى العالم الافتراضي فبات عنيفا وفجّا بشكل يدعو الى الاستغراب والحيرة.

فقبل سنوات خلت كان الفضاء الازرق هادئا تطغى عليه الرومانسية الساذجة احيانا من خلال كمّ الكلمات التي تسبح في الشعرية وتستلهم من كبار المفكرين والحكماء والمبدعين.

وكان الفايسبوك على سبيل المثال يفور بالاغاني الحالمة التي يجتهد الاصدقاء في انتقائها خاصة من سجلات الاغاني القديمة المفعمة بالحنين ويقومون باهدائها لبعضهم البعض.

فما الذي حدث؟؟؟ وكيف تغير هذا العالم الازرق وغادر هدوءه ليصبح بحرا متلاطم الامواج في اتساق غريب مع المشهد التونسي الذي تطغى عليه الفجاجة ويلوّنه العنف؟؟؟

هي لعنة السياسة بانشقاقاتها ومناوراتها لحقت هذا الفضاء الذي ولد لدينا حالما قبل ان ينقض عليه الساسة ليطوعوه وفق اهوائهم فبات مرتعا للميليشيات المؤدلجة التي تتبارى في السباب والشتائم وتتنابز بالالقاب وتنحاز بشكل سافر لهذا الطرف او ذاك وتبذل قصارى جهدها في الذود عن حياضه من خلال مهاجمة خصومه السياسيين ووصفهم بشتى النعوت البشعة وتوجيه التهم المقذعة لديهم باطلا وبهتانا وترويج الاشاعات المغرضة بهدف تشويه سمعتهم.

والمحرّك الوحيد لهؤلاء هو كمّ الحقد الاعمى الذي سيطر على نفوسهم وحولهم الى كائنات افتراضية شريرة تقبع في الظلام امام الحواسيب وتطلق الطاقات السلبية الكامنة في الارواح لتنهال حمما بركانية على الغير وتمارس بذلك سلوكا جبانا، متخفية خلف اسماء مستعارة ومستفيدة من غياب المراقبة وامكانات العقاب والتتبع.

ويستوي الجميع في حالة الركض المحموم من أجل تصدّر المشهد الافتراضي بهذا الأسلوب وهم مدفوعون في هذا الغرض بدغمائية سوداء تتحكم في نفوسهم وتسيطر على عقولهم.

وليس هذا فحسب فقد بات الفايسبوك مجالا لترويج الاكاذيب ونشرها على اوسع نطاق وهو بهذا يكون حقلا خصبا لاطلاق حروب افتراضية بين جماعة واخرى تحت اقنعة مختلفة تشي بكمّ القبح الذي بات يسيطر على مجتمعنا.

هذا القبح الذي ما فتئ يكبر ويتناسل ككرة ثلج تمتد في غفلة منا او لعلنا نستمع دونما وعي بحالة الفوضى المعلوماتية التي تسود مواقع التواصل الاجتماعي والتي تطغى عليها الاكاذيب والاراجيف سواء بخصوص تقديم وقائع لا اساس لها من الصحة بهدف نشر البلبلة والاحتقان في مجتمع بات جاهزا للاشتعال وكل المؤشرات تحيل على ذلك، أو من خلال ترويج معطيات زائفة بخصوص اشخاص فاعلين في المشهد السياسي او حتى من النخبة الفاعلة ثقافيا واقتصاديا وتلفيق ما امكن من الحكايات الغريبة سعيا الى نشر النقمة والغضب في صفوف عموم التونسيين عليها، وذلك تغذية للانقسام والفرقة بين ابناء الشعب الواحد.

كما ان هناك ظاهرة عنيفة ايضا تسيطر على هذا الفضاء الافتراضي وهي ظاهرة الجهويات البغيضة التي اطلت برأسها علينا بشكل سافر وكأنها تفتح فاهها وتخرج لسانها في حركة سخرية من الجميع خاصة من وأولائك الذين نظروا لمقولة الانصهار التي يقوم عليها المجتمع التونسي واولئك الذين يفخرون بغياب الطائفية في هذا البلد الذي عاش اهله في سلم اهلي منذ احقاب تاريخية قديمة.

فبات اليوم من الاعتيادي ان تجد صفحة من صفحات الفايسبوك والتي لا شك انها مأجورة يتفنن القابعون في غرف التحكم فيها في سب بعض الجهات وتحقيرها والسخرية منها ونعت أهلها بنعوت قبيحة لا تخلو من « الحقرة» والاستهانة بهم مع اعلاء قيمة جهات اخرى وجعلها مركز الكون.

وليس هذا فحسب فنحن امام ظاهرة عنيفة مكتملة الاركان والابعاد يحضر فيها البعد اللفظي والسلوكي وخاصة العنف الرمزي ويمكن ان نقول أننا نعيش مرحلة العنف الرقمي الذي بات جزءا من معيشنا اليومي فنحن إزاء أناس متمترسين خلف حواسيبهم، لا هدف لهم سوى اشاعة الفوضى والعنف في المجتمع.

ومن ملامح هذه الظاهرة ايضا العنف الديني الذي بات يواجهنا ايضا من خلال فوضى الفتاوى التي تستغل العالم الافتراضي لتبدع في هذا المجال وتقدم لنا كمّا من الفتاوى الغريبة والعجيبة التي باتت اطارا ملائما حقا لتكفير الخصوم واخراجهم من الملة واتهام بعض المثقفين بازدراء الاديان او بالكفر والزندقة اذا ما حاولوا ملامسة الظاهرة الدينية في بعض اعمالهم الفكرية والابداعية والفنية او اذا ما قاموا بتصريحات مناهضة للعنف والدموية تحت غطاء ديني.

ومن تجليات هذا النوع من العنف حالة الاستقطاب التي تقوم بها بعض الصفحات الموجودة على الفايسبوك والتي تعمل على غسل ادمغة الشباب حتى يتمردوا على الدولة والمجتمع ويخوضوا مواجهة عنيفة ضدها وهم يوظفون هذه التقنيات بهدف تعليم الشباب ايضا طرائق واساليب المواجهة العنيفة التي تبدأ بالعنف الرمزي وتنتهي بالارهاب.

والحقيقة ان هذا العنف الأزرق بات يحاصرنا من الجهات الست ولا يبدو الفكاك منه في الوقت الراهن ممكنا أو متاحا باعتبار غياب القيم والمعايير الثقافية والاخلاقية التي من شأنها ان تردع هؤلاء عن افعالهم العنيفة الى جانب غياب التشريعات والقوانين التي تنظم هذا المجال الجديد علينا والذي زحف بشكل سريع ومفاجىء على حياتنا دون ان نستعد له تشريعيا وقيميا وثقافيا.

وفي انتظار أن نجد الحلول لهذه الظاهرة العنيفة سنظل تحت رحمة عتاة الفضاء الافتراضي حيث تمارس علينا شتى ألوان العنف.

 

 


منيرة رزقي