الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات



هكذا أرى

خمسينية حركة الطليعة الأدبية(5)


بقلم : محمد مصمولي

... أظنّ أنّ طاقتك على النسيان، مهما عظمت، بعد العقود من السنين التي عبرت حياتك تباعا، بحلوها ومرّها، لا تكفي لكيْ تنسى ما حصل لك... هنا وهناك من أحداث... ظلت... كالوشم على الذاكرة.

... بعض تلك الأشياء أفراح وأتراح

.... وبعضها الآخر... خليط من الأفراح التي يخالطها الألم، أو الأتراح التي تسجل لك اعترافا أدبيا بأنك موضوع اهتمام... ما... من الآخرين الذين يعاصرونك... مخاصمين، ويمرون من حولك... حاسدين... ناقمين.

... أحداث صغيرة أو كبيرة ليس نسيانها بالشيء البسيط... تتذكرها، بالرغم منك، فترتعش أو تسخر منها.

... ألم تشعر به إزاء ما فيها من ظلم أو قهر، أو مصادرة لحرية التعبير لديك.

... ألم، فأنت بعد انخفاض حدّته، تحس دون تضخيم صورته... بأنه كالفرح.

 

... شخصيا أرى أنّ ما لدي من طاقة للنسيان... لا تكفي لأنسى تلك الحالة التي جرّتني الى استنطاق، أول بوزارة الداخلية، وثان الى استنطاق... بالمحكمة الابتدائية... في سنة 1972.

استنطاقان إثنان من أجل قصيدة واحدة بإمضائي في مجلة (ثقافة).. وبتهمة واحدة هي: المسّ من الأخلاق الحميدة.

أما الطرف الوحيد الذي وقف وراء التهمة ورفع قضية ضدي فهو.. «الاسلام السياسي»... والمتمثل في جمعية المحافظة على القرآن الكريم..

ولك.. أن تتساءل عن العلاقة التي أراد هؤلاء أن يحشروا فيها الدين في الأدب، أو الأخلاق الحميدة في الشعر، أو القرآن الكريم.. في الفن؟

... أحسبُ أنّ تلك الحادثة التي كنت ضحيتها، أي حادثة المصادرة لحرية التعبير، كانت بداية مؤشر على دخول هذه الآفة في تونس 1972.. وبداية تشكّل ظاهرة الخلط بين المقدس (الدين) والمدنس (أي السياسة)..

 

.. وفي الحالة الثانية التي لا يكفي ما لديّ من النسيان لأنساها فقد وجدتني هدفا سهلا عن طريقها.. لمساومة خبيثة، تخضعني، ان أنا.. لم أوافق على تغيير صفتي من موظف قار بمؤسسة الإذاعة والتلفزة التونسية.. الى صفة متعاقد وقتي، فإنني أصبح مهددا بالطرد منها، هذا أوّلا، ومن جهة أخرى، إن أنا دافعتُ عن نفسي.. أصبح مهددا بتهمة «يساري» وهي تهمة كانت في ذلك الوقت من سنة 1975.. تؤدي حتما الى السجن مباشرة.

أما الطرفُ الوحيد الذي خيّرني بين الطرد والسجن فهو شاعر كنت أجلّ شعره.. ولا أرتاح لسلوكه، لا سيما في تقليده «للمتنبي»... وتصريحه للصحافة ذات مرة، بأنّه أفضل من الشاعر أبي القاسم الشابي في شعره..

وممّا زاد الخلاف بيني وبينه حدة.. هو كتابتي لمقالين أو ثلاثة في نقد شعراء المدح.. وكتابتي ذات مرة لمقال نقدي لديوانه الشعري، الاول.. وايضا لخلافي معه حول تهجمه على حركة الطليعة الأدبية التي كنت طرفا فيها..

ولما تحوّل هذا الشاعر الى مدير للإذاعة الوطنية التي كنت من أبرز منتجيها الثقافيين.. لم ير مانعا من إستغلال موقعه الرسمي لتسليط ضغوطات مباشرة وغير مباشرة على إنتاجي، ثم الالتجاء الى أسلوب آخر أراد به تغيير صفتي كموظف قار في المؤسسة الى صفة.. متعاقد وقتي وذلك بالرغم من أقدمية انتسابي الى هذه المؤسسة لمدة أكثر من عشر سنوات من الزمن في تلك السنة من منتصف السبعينات.

.. وطبعا فقد رفضت قراره الأول المتعلق بتغيير صفتي المهنية الى صفة متعاون خارجي.. وواصلتُ العمل، فعلمتُ في وقت لاحق، وعن طريق أحد زملائي المقربين منه، بأنّ هذا الشاعر المدير.. قد شرع في إعداد ملف يتعلق بتهمتي بالإنتماء الى اليسار، وهي نفس التهمة التي وجّهتها اليه جمعية المحافظة على القرآن الكريم في سنة 1972..

.. وهذه التهمة لو رفعها ذلك الشاعر المدير القريب جدا من القصر الرئاسي، في ذلك الوقت، لقام النظام البوليسي المكلف بمعاداة اليسار.. بواجبه معي.