الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات



نقاط وحروف

دروس في السعادة


بقلم: كمال الشيحاوي

من الكتب التي طالعتها خلال هذه الفترة وأرغب في مشاركة قرّاء الجريدة متعتها كتاب الفيلسوف الفرنسي «هنري بينا رويز» (*) «دروس في السّعادة» وقد صدر معرّبا على يد أستاذ الفلسفة في تونس «محمد نجيب عبد المولى» عن المركز الوطني للترجمة. جاء الكتاب في لغة عربية جميلة حملت كلّ الكثافة الشعرية التي كتب بها المؤلّف وكل السعادة التي أراد بثّها في نفس القارئ. كتاب يغذّي الأمل والإرادة ويدلّل على امكانيات السعادة الكثيرة لدى البشر ويواجه بصرامة فلسفية كلّ الخطابات العدمية الحزينة التي تقدّم الحياة كورطة تراجيدية مؤلمة لا نجاة منها سوى في نفيها. ويعبّر المؤلّف عن هذه الفلسفة بقوّة حين يكتب بأعلى درجات التفاؤل:«ومهما اعتقدنا أنّنا تِعسون، فإننا حينئذ نخوض تجربة مصيرية. فحتّى حزننا وكآبتنا يصبحان بمثابة نظرة [نلقيها] على الأشياء، نظرة متحرّرة ومنعتقة من كل شيء. مشاعرنا هي لنا، ولكنّنا لسنا لها بكلّيتنا. وهكذا، تكون ذكرى سعيدة قائمة على النّقيض من يأس الحاضر، تُذَكِّرُ بأنه لا يمكن أبداً، للحظة ما، أن تلخّص وحدها الحياة برمتها».

وقد كتب «عبد المولى» صاحب الترجمة مقدّما هذا الأثر «إن الموقف البارز في ثنايا الكتاب هو أن الفلسفة عملية أو لا تكون، بمعنى أن منتهى التفلسف هو بالأساس أن يعلمنا كيف نعيش، فهو يقول:«الفلسفة لا تستحق منا عناء ساعة إن هي لم تعلّمنا كيف نتصرّف في الحياة» وهذا الكتاب، بدروسه الثلاثة عشر، يهدف إلى مساعدة القارئ على اكتشاف سبل الاستمتاع بالحياة، ويذكر، بلطف، أن شروط السعادة قائمة في عالمنا، محيطة بنا، تنتظر منا نظرة أو لفتة ننتبه فيها إلى ثراء الأشياء البسيطة والمألوفة.وهذه الدّروس هي دعوة للنظر في الأشياء، لكن بعيون تبصر التفاصيل وتضفي على ما هو مألوف معنى وقيمة. هي تنبيه يشير إلى تهافت الموقف الباحث عن سعادة لا تأتي، إذ السعادة هي في هذا الإحساس بثراء أشياء العالم وتفاعلنا معها. إحساس بقيمة الماء، وقيمة الهواء، وجمال الزهور، وبهاء طلعة الشمس، وعذوبة هبّة نسيم عليل، وفسحة مع صديق، ولقاء بحبيب. ثروات وثروات لا ننتبه إليها إلا عند فقدان القدرة على الإحساس بها. «وبإيجاز فإن سعادة العيش تتقدّم على أنّها مكافأة لا مناص منها لصبره. إن صفاء اليأس يجدها هنا، منفذه، مثلما تنبثق جذوة شعاع بفعل الرّيح في ليل قطبي. يقول«ألبار كامو» هذا بقوّة:«أنا أستخلص هكذا ثلاث نتائج من العبث، هي تمرّدي وحرّيتي وانفعالي. بلعبة الوعي وحدها، أحوّل ما كان دعوة للموت إلى قاعدة حياة وأرفض الانتحار...» (ص، 80).

الدرس الأوّل للسعادة الذي يستخلصه المؤلّف من الرواقيين اليونانيين القدامى هو التمييز بين ما نحن قادرون على تغييره وما نملك شروط تغييره فعلا وبين ما علينا قبوله من أمور هي متجاوزة لإرادتنا الشخصية و يعلّق بأنّ«القبول الهادئ ليس إذن استقالة سلبية، ولا قدرية محبطة. إن هذا الانضباط الصارم هو الذي يشكّل كل عظمة الرواقية.(ص، 29). ويشرح هذا الرأي بالقول «لقد تصوّر» أبيقور« فيلسوف اللّذة الوقور، أربعة أدوية يسيرة الاستعمال بالنسبة إلى أي انسان.

يشير الأوّل إلى كيفية التحرّر من خشية الآلهة، ويعلّم الثاني السكينة التي تقضي على الخوف من الموت. ويدعو الثالث للبحث عن اللّذة: أينما تكون هذه اللّذة ، لا مجال للعذاب، وعلى هذا القدر لفائدة ميزان الأفراح، أما الدّواء الرّابع، فيتمثّل في تنسيب تجربة الألم، ببيان أنّه يمكن احتمالها» (ص 106). ويتمثّل الدّرس الثاني في رأي «هنري بينا رويز» في قبول الحياة كما هي والتأقلم مع نمط الوجود البشري الذي ينتهي بالموت و«الإضطلاع به بوقار» حسب عبارته «وهو كذلك طالما أن نمط الوجود هذا هو مصدر للحيوية والفعل والمبادرة والمداومة الخلاّقة» (ص، 39). ويصوغ المؤلّف الدرس الثالث بالقول وحتّى ان أصبحت الحياة عبئا في بعض الأحيان، فلا بدّ من اعتبار الظروف التي صنعتها، لا النظر إليها في حدّ ذاتها. العيش هو أن تكون للمرء فرصة تذوّق الحضور في العالم، حضور يشعر به ويتفكّره، ويتملّك نفسه بنفسه، حتّى في أقصى حالات السلب»(ص، 61).

وتأسيسا على ذلك يرى المؤلّف أن الفرح المصطنع الذي يصاحب الوهم المسلّم به، إلى حدّ ما، عن وعي، تشوبه مرارة. أما الإطمئنان الناجم عن البحث الصارم عن الحقّ فهو أصدق وأدوم، بالخصوص، لنتجنّب الاحتفالات المريرة. (ص، 71). و يعبّر عن الدّرس الرّابع بالقول:«لا بدّ من المجازفة للتمتّع بالعالم وستعيد هذه المجازفة اكتشاف طفولة المتع، بعيدا عن الكررب والأتعاب، إنه الاستمتاع بالعالم وبالذات، السعادة بالعمل».

(ص76). ويضيف في ضرب من الاختزال الشعري الرّائع إن لشجاعة العيش بعد ميتافيزيقي وشعري في آن. قبول دون شرط ولا مساومة، ولا بغضاء أو تقزّز. نعم. العالم جميل وتراجيدي، ولنا أن نعيش فيه الزمن، بألم وفرحة ممزوجين. يتحرّر الشعر هنا، من الانتماءات ومن الأحقاد. الشعر، شأنه شأن اللّعب والرّقص والفكر والعقل الذي يتأمّل والموسيقى التي يعود فيها الوعي إلى ذاته، يخلّص من الانسياخ. (ص 80). ويعود في صفحة 84 من الكتاب ليعمّق هذه المعاني الجوهرية قائلا في صياغة الدرس الخامس« الاستمتاع بالأشياء وبالعالم، في الوعي بوقتيتها، هو الاضطلاع بمأساوية عالمنا الفاني، وقدرتنا على الاستمتاع المطلق في آن. إنّ جرعة المطلق لتكرّر مع كلّ متعة مكثّفة، تكتفي بذاتها، وتنسج حساسية الكينونة. الثقة. الإنسان ليس انفعالا لا طائل من ورائه، وإنما هو هذا الكائن المستحدث الذي يخترع المعنى فيما وراء تلعثماته، ويعرف كيف يرتّب فرص السعادة بين تراحيل تاريخه».

وعن الموت الذي كان موضوع درسه السادس يستند المؤلّف لـ «فيكتور هيغو» الذي يقول«أن يموت المرء فهذا هيّن والرّهيب هو أن لا يحيا» فماذا أراد أن يقول «أبيقور»؟ إن تجربة الموت مباشرة أمر مستحيل، وبالتالي لا يمكن القول عنه أنّه مؤلم «عندما نكون هنا، يكون الموت غائبا، وعندما يكون الموت هنا، نكفّ نحن عن الوجود».

وفي الدرس السابع يقول «لا يجب أيضا التشّبث المرهق بديمومة الحياة السعيدة، وإنما بكثافتها، وقوّة الشهادة التي ستدلي بها لنفسها وتشعّ بها على الآخرين، يقول «مارك أورال» على هذا النحو، إن قيمة الحياة تبلغ بشكل ما الخلود بامتلاكها الفعلي:« كلّ ما تأمل بلوغه على امتداد فترة طويلة يمكنك تحقيقه من الآن، ما لم تمنع ذلك عن نفسك» (ص110). وتتوالى بقية الدّروس على نحو مبهج وعميق لتملأ القارئ قوّة وأملا وسعادة وثقة في كينونته وشرط وجوده الذي عليه أن يعيشه بمتعة ووقار وصبر وامتنان أيضا.

(*) هنري بينا – رويز من مواليد عام 1947، وهو فيلسوف وكاتب فرنسي، عرف بالدّفاع عن قيم التّضامن والحرّية. أصبح مختصاً في مسألة اللاّئكية بما هي أساس للفكر الكوني. هو من بين الحكماء العشرين الذين كوّنوا لجنة اللاّئكية بفرنسا سنة 2003.

قاوم في كتاباته التّوظيف السّياسي للدّين، واعتبر المعتقد شأناً شخصياً، وجعل من الالتزام بقيم الجمهورية سبيلاً لتحقيق حياة كريمة للإنسان. صدرت له العديد من المؤلفات، كان آخرها «القاموس العاشق للعلمانية» (منشورات بلون 2014)، بعد كتاب عن ماركس «ماركس مع ذلك» (منشورات بلون 2012).