الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات


بالمناسبة
التاريخ المذكر والنص المؤنث :

جدلية المتن وهامشه في الثقافة التونسية


تعيش المرأة التونسية خلال هذه الفترة الزمنية وككل عام منذ الاستقلال على إيقاع الاحتفال بعيدها السنوي. وهو في الحقيقة احتفال بريادتها في الحضارة والمجتمع... احتفال بتحليق المجتمع التونسي بجناحيه مؤنثا ومذكرا، وأيضا احتفال بمراكمة مكاسب المرأة التونسية من التحرير إلى المساواة في الحقوق والواجبات فالشراكة مع الرجل في التنمية والمجتمع.

وما يُلاحظ اليوم في القطاع الثقافي بتونس أن حضور المرأة في كافة المجالات الإبداعية صار من الأمور البديهية، لذلك فإنه من الأهمية بمكان التوقف عند صورة المرأة التونسية في النصوص الأدبية والفنية والتاريخية، لأن مثل هذا الرصد يقيم الدليل على حقيقة منزلة المرأة في العقل التونسي بعيدا عن رتابة تعديد المكاسب النسوية والخطاب السياسي الذي يسوق لمنجزاته الاجتماعية.

إن مطالعة أخبار المرأة التونسية في تراثنا يكشف في غاية اليسر عن ازدواجية طابعه، كتراث مكتوب بالأساس ثم كتراث مادي (التحف المتضمنة لرسوم نسائية) بدرجة ثانية، لكنه يُعد بوجه عام تراثا يتماهى مع فضائه الذكوري، فالأقلام التاريخية التي ساقت أخبارا عن أمجاد المرأة التونسية كانت تلتحف بالصمت، وكأن الخبر مقدس لكن التعليق غير حر.

إن كتب التاريخ وبما أنها صنف من الكتابة الرسمية فقد توقفت عند إسهامات المرأة التونسية في حركة البناء الحضاري على مرّ العصور، من تشييد للعمارة التعليمية والدينية والصحية، في إشارة هنا إلى بناء فاطمة بنت محمد الفهرية القيروانية لجامع القرويين بفاس وهو مؤسسة دينية ومعهد للتعليم وبناء الأميرة الحفصية عطف لجامع الهواء وللمدرسة التوفيقية في ربض تونس المعروف اليوم بمعقل الزعيم وأيضا بناء أميرة حفصية أخرى للمدرسة المعرضية وكذلك بناء عزيزة عثمانة للمارستان/المستشفى الشهير الحامل اليوم لإسمها والكائن بقصبة تونس... أو من مشاركة في الحياة العلمية، من قبيل أسماء بنت أسد بن الفرات وخديجة بنت الإمام سحنون... أو في الحياة السياسية كأم ملال أخت الأمير الصنهاجي باديس بن المعز...

أما كتب التراجم والطبقات التي تضمنت سيرا لحياة العلماء والصلحاء فقد استحضرت في سياق كثير من الروايات عنهم حضورا لافتا للمرأة التي تختلط بالرجال في الأسواق والشوارع والزوايا وفي الاحتفالات الخاصة والعامة، الأمر الذي يعكس حقيقة انفتاح المجتمع التونسي واعتداله، فلم يكن مجتمعا منغلقا على نفسه، يتحرك الرجال في فضاءاته في حين تحبس النساء في المنازل.

وبالنسبة إلى الفتاوى والنوازل القضائية وهي من مصادر التاريخ الجديد فإنها تصور حقيقة المجتمع التونسي قديما باعتباره مجتمعا منفتحا ووسطيا تخرج فيه المرأة إلى الفضاءات العامة كالشوارع والأسواق والحمامات والاحتفالات العامة، بل وكانت المرأة تمارس مهنا حرة كالانتصاب للبيع بالأسواق والشوارع، وتتزين قبل خروجها من منزلها، والأطرف أنها كانت تنتعل خلال القرن الثالث الهجري الأحذية الصرارة أي الأحذية ذات الكعب العالي التي يصدر عنها صوت نقرات وهي تمشي بها في أزقة المدينة العتيقة (اُنظر مثلا كتاب أحكام السوق ليحيى بن عمر).

ويبدو أن الأقلام لم تتحرر في الكتابة بطلاقة عن المرأة التونسية إلا في الجانب الشعري والأدبي فهو المجال التاريخي الوحيد الذي كان يتخلص في القديم من سلطة الرقيب.

وبعد ظهور حركة ثقافية تدعو إلى تحرير المرأة بكل من مصر وتونس، وبعد صدور كتاب زينب هانم فواز «الدر المنثور في طبقات ربات الخدور» ومناقشته من قبل حسن حسني عبد الوهاب مع صديقه عبد الرحمان الكعاك بادر هذا المؤرخ التونسي وهو حسن حسني عبد الوهاب إلى كتابة أول تاريخ للمرأة التونسية من خلال كتابه «شهيرات التونسيات» لإبراز ما كانت عليه «المرأة التونسية في غابرها من العلم الجم والكمال الأتم»، على حد قوله.

ومنذ تشكل ما يعرف بصنف الكتابة الروائية حتى كانت المرأة عنوانا لأولى الأعمال الروائية في تونس، فقد نشر صالح سويسي في عام 1906 أول عمل روائي تونسي هو «الهيفاء وسراج الليل» وذلك بشكل متسلسل بمجلة «خير الدين» ثم نشر الصادق الرزقي روايته«الساحرة» بين سنتي 1910 و1915.

ويُشار إلى أنه وبعد الجدل الذي أثارته الأفكار الثورية للطاهر الحداد وسلطت الضوء حول تأخر التشريعات في تونس فيما يتصل بتحرير المرأة وتبني الرئيس الحبيب بورقيبة بعد الاستقلال لسياسة تحرير نصف المجتمع التونسي المجمّد والمعطل أي القوى النسائية، اهتمت النصوص الأدبية التونسية بتمثل صورة المرأة على الصعيد الإبداعي، بهدف العمل على تعرية النظرة الدونية لها وفضح مظاهر استغلالها أو تثمين دورها في تكوين الأجيال الجديدة، وخذ مثالا على ذلك رواية «عائشة» للبشير بن سلامة ورواية «حليمة» لمحمد العروسي المطوي وأيضا ديوان «قرط أمي» للشاعر الميداني بن صالح.

ومن منظار آخر وزاوية نظر مختلفة كان كتب قبل ذلك وبمصر كل من محمد حسين هيكل روايته «زينب» في سنة 1914 ومحمود عباس العقاد روايته «سارة» في سنة 1938... بما يذكرنا أيضا بالمقابلة السابقة أيضا بين قاسم أمين بمصر والطاهر الحداد بتونس...

أما اليوم فلم تعد وظيفة تقديم صور عن المرأة من مهام الأقلام الذكورية، بمعنى لم تعد من جدوى للبحث عن صورة الأنثى في النصوص الذكورية والحال أن المرأة قد دخلت هي الأخرى معترك الإبداع والكتابة من الداخل عن المرأة التونسية.

ولا نغفل في الأخير عن أهمية النظر إلى صورة المرأة التونسية من خلال منابر جديدة أكثر انتشارا وأعمق تأثيرا هي المنابر الإعلامية، مما حتّم إقامة ندوات وهياكل ومخابر بحث تعنى بترشيد جهود رسم وتأطير صورة المرأة في الإعلام وبالخصوص في العالم الافتراضي من أجل مكافحة سلعنة المرأة والنيل من حرمتها وكرامتها.

 


منصور