الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات



نقاــاط وحروف

قراءة في خطاب المعترضين على تقرير الحريات الفردية والمساواة


بقلم: كمال الشيحاوي

برغم كلّ الانحرافات والانفلاتات ومنها ما هو خطير إذا كان من قبيل التكفير واستعمال العنف فإن الجدل الجاري منذ أسابيع حول تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة في الفضاءات العامة والفايسبوك ومختلف وسائل الإعلام بين مختلف الحساسيات الفكرية في بلادنا يعتبر علامة صحّية وظاهرة سوسيوثقافية بإمكاننا أن نفخر بها في مجالنا العربي والإسلامي. وعلى عكس ما يظنّ فإن الظروف التي يجري فيها السجال اليوم بين مناصري هذا التقرير والرّافضين له أفضل بكثير من السّياق الذي جرى فيه إعلان مجلّة الأحوال الشخصية . فقد كانت هذه المجلة أحد القرارات التّاريخية والرّائدة التي اتخذها الحبيب بورقيبة في سياق تاريخي كان خاليا تماما من أي مظهر من مظاهر التعدّدية السياسية والحزبية(كانت مسألة الدّيمقراطية مستبعدة في ذلك الزمان ولم تكن مطروحة بإلحاح) فضلا عن سطوة الزعيم بورقيبة وشرعيته باعتباره قائد حركة التحرّر والاستقلال وكاريزمته التي مكّنته من تمرير هذه القرارات والإجراءات بأريحية كاملة جعلت بعض الدّارسين المعاصرين من قسم علم الاجتماع في تونس ينبّهون بدرجات مختلفة إلى سلبيات هذه القرارات لا في مضمونها وإنما في طريقة تنفيذها و«إسقاطها» بشكل فوقي/كان فيه تعسّف(تاريخي وسوسيولوجي) ربّما على معطيات المجتمع التقليدي التونسي الخارج لتوّه من سنوات طويلة من الاستعمار والذي كان يعاني من معدّلات كبيرة من الفقر والجهل والأمية.. وممّا يبرّر اعتراض هؤلاء الباحثين ومن بينهم «مهدي مبروك» و«المنصف وناس» مثلا هي ردود فعل المجتمع التقليدي الذي سعى للتحايل على هذه المجلّة والانتقام منها وممارسة أشكال أخرى من الظلم والتعسّف على المرأة (من أبرزها إجبارها على مواصلة أداء وظائفها التقليدية رغم خروجها للعمل ومشاركتها المتساوية للرجل في الحياة العامّة بنفس الدّرجة تقريبا) وقد اكتمل هذا الاعتراض ببروز تيار الإسلام السياسي في سبعينات القرن الماضي و الذي كان من أسباب ظهوره ومبرّراته اعتراضه عمّا اعتبره تغريبا للمجتمع التونسي وإبعادا له عن هويته الدّينية وما اصطلح عليه دائما بخصوصيته الحضارية ولطالما عبّرت قياداته وأنصاره عن ضيقهم بمجلّة الأحوال الشخصية، باعتبارها أحد عناوين هذا «التغريب» وهو ضيق وتشنّج إيديولوجي وديني انتقل اليوم الى تقرير الحريات الفردية والمساواة كما هو واضح.

المثير اليوم والمهمّ أن السجال حول تقرير الحريات الفردية والمساواة يتمّ في سياق من الحرية وبمشاركة كلّ الحساسيات وبوجود مكشوف للتيار المحافظ (المعترض على التقرير) الذي لا يعبّر عن نفسه في الساحات وفي الخطاب المسجدي وفي بعض المسيرات وإنّما في مجلس النّواب حيث صارت له كتلة كبيرة هي الأولى اليوم عدديا على الأقلّ. وهذا المعطى السوسيولوجي والسياسي الهام يعني أن القوّة اليوم والغلبة إذا جازت العبارة لن تكون سوى للأقوى حجّة والأكثر قوّة في إقناع الناس بوجهة نظره وأفكاره.

وإذا ما قمنا بتفحّص أهم الاعتراضات التي عبّر عنها الرّافضون الى تقرير الحريات والمساواة وجدنا أنّها تقريبا أربعة اعتراضات أساسية:

1) يظهر الاعتراض الأوّل باعتباره شكليا وقانونيا ودستوريا وسياسيا واتصاليا ويقول أنّ دعوة رئيس الدّولة في 13 أوت من السنة الفارطة لتعديل الكثير من الإجراءات والقوانين حتّى تتلاءم مع المعطيات الجديدة للدستور والمجتمع التونسي ومن أبرزها ما يتصل بالمساواة في الميراث وإذنه بتكوين لجنة في الغرض ليس من صلاحياته فضلا عن كونه قد شوّش «اتصاليا» على مضمون التقرير وجعل النقاش حوله سياسيا وحزبيا وفيه استثمار انتخابي وسياسي سيثير غضب خصومه. ورأينا أن هذا الاعتراض غير مقنع لأن من صلاحيات رئيس الدّولة أن يبادر باقتراح مشاريع قوانين على مجلس النّواب هذا أوّلا وثانيا أن يتحمّس رئيس دولة وأي رئيس دولة في مجالنا العربي الاسلامي لقوانين تقدّمية رائدة في مجتمع ما يزال تقليديا في عمومه أمر مستحسن عموما. وفضلا عن حاجة الكثير من مشاريع القوانين لحماس السياسيين لها ودعمهم لها وهو ما برز في الأيام الأخيرة في بيانات الجبهة الشعبية وحزب المسار الدّاعمة لمضمون التقرير فإن «الباجي قائد السبسي» قد صنع (للتذكير)جزءا كبيرا من شعبيته ونجاحه وحزبه في انتخابات 2014 لحماسه للمشروع العصري ولحقوق المرأة ولنبذ كلّ الإجراءات والقوانين التي فيها تعسّف على حريات التونسيين ومنها مثلا منع المرأة المسلمة من الزواج بغير مسلم والذي تمّ التخلّي عنه بأمر. ولا تفوتنا الإشارة الى أن الرئيس ليس قادرا دستوريا على إلزام المجلس بهذا التقرير فهو واحد من مشاريع القوانين التي ستتمّ مناقشتها من قبل جميع الحساسيات.

2) يبرز الاعتراض الثاني في لبوس ديني ودستوري و «هووي» ويعبّر عن نفسه في كون تقرير الحريات الفردية والمساواة يتضمن مساسا وتعدّيا على نصوص دينية/ قرآنية صريحة(قطعية الدّلالة بلغة الفقهاء وعلماء الأصول) ويتمّ التركيز خاصّة على مسألة المساواة في الميراث. ويرى المعترضون أن ذلك يتناقض دستوريا مع الفصل الأوّل الذي يؤكّد أن الإسلام هو دين الدولة. ولكن ما غاب عن هؤلاء أو ما يتعمّدون تناسيه ومغالطة جمهور المتعاطفين معهم أن الدستور التونسي كمعظم دساتير العالم هو دستور من إنشاء البشر، فهو وضعي/مدني لتنظيم الحياة في دولة ذات نظام جمهوري وديمقراطي لم يتمّ فيها التنصيص مطلقا على أن الشريعة مصدره وإنما تعاليم الإسلام ومقاصده وكل المعاهدات والمواثيق الدولية وفضلا عن ذلك كلّه فقد خصص الدستور بابا كبير للحريات العامة الأساسية وفصولا هامة تمنع التكفير وتؤكّد على حرية المعتقد والضمير وعلى مبدإ المساواة دون أي شكل من أشكال التمييز. وبالإضافة إلى كون اعتراضهم بسبب وجود آيات صريحة انتقائي و غير جدّي باعتبار أن آيات صريحة كثيرة قد تمّ تعطيلها ومنها ما يتصل بما ملكت أيمانكم وبحدود الجلد وقطع الأيدي والأرجل والنفي في الأرض وغير ذلك.

3) يتجلّى الاعتراض الثالث في كون التقرير سيؤدّي إلى هدم الأسرة وإشاعة الفاحشة والتسيّب الأخلاقي وهو اعتراض فضفاض قائم على فهم مغلوط لما تضمّنه التقرير وإذا شئنا الدّقة فإن خلفية هذا الاعتراض هو خوف أنصار التيار المحافظ بنزعاته الإخوانية والمتشدّدة من مظاهر الحياة العصرية الحديثة التي باتت تلح على الحرية والمساواة الكاملة دون أي تمييز وعلى احترام الحريات الفردية وكرامة الجسد البشري وخصوصياته وميولاته طالما لم يشكّل ذلك خطرا على الناس أو تعدّيا عليهم. ويرى هؤلاء أن الخلفيات الفلسفية والحضارية لهذه المفاهيم ستؤدّي إلى القضاء نهائيا على موروث فقهي وديني كامل قام طوال تاريخه على مبادئ الجماعة والمجتمع الأبوي الذكوري الذي يعطي الرّجل المكانة الأولى في المجتمع والأسرة وهذا الأمر صحيح ولا مهرب منه اليوم، بل هو الأفق الإنساني لكل البشر. ويتضّح في هذا المستوى أنّنا بالفعل أمام وجهتي نظر مختلفتين لنمط المجتمع الذي نريد، وجهة نظر عصرية تؤمن بأنّ قدرنا أن نعيش في مجتمع مختلف ومتنوع ومفتوح على احترام الحريات العامة والفردية وخصوصيات الناس والأفراد ووجهة نظر أصولية متشدّدة ما تزال تحنّ للسيطرة على الفضاء العام وعلى البشر وتنميطهم في فكر ولباس وسلوك يغلب عليه منطق الإخضاع والهيمنة. وهو ما يعبّر عنه هؤلاء في نمط عيشهم «الطائفي» المنعزل عن الناس وفي أساليب عيشهم وذوقهم النمطية.

4) ويتسلّل اعتراض آخر في شكل اقتراح طريف في سجل المعترضين من «المتذاكين»يعبّر عن نفسه بلغة سفسطائية تقول أنّه طالما أنّنا مع الحريات الفردية فلماذا لا نسمح بالحرية الفردية في تعدّد الزوجات ولماذا لا نذهب لاستفتاء الناس في هكذا قضايا خطيرة. ويعبّر هذا الاقتراح حقّا عن ضعف حججهم وفشلهم وأزمة فكرهم السلفي. فتعدّد الزوجات لا يندرج في سياق الحريات الفردية وإنما هو صيغة من صيغ الحياة الأسرية التقليدية التي لم تعد مقبولة اليوم لتعارضها مع مبدإ المساواة بين الرّجل والمرأة، (فالتعدّد إذا ما قبل ينبغي أن يكون مسموحا به للرجل والمرأة) وأما الاستفتاء فلا يتمّ مع المبادئ والقيم الإنسانية إذ من غير المقبول أن نستفتي الناس في العبودية والتمييز والتعدّي على الكرامة البشرية.

لا نعرف بالتدقيق ما سيصير له تقرير الحريات الفردية والمساواة ونحن نخطّ هذه الأسطر صبيحة الاثنين 13 أوت ولكن ما نحن متأكدون منه أن الحسابات السياسية والانتهازية وكلّ محاولات تأجيل النظر في هكذا مشروع رائد لأي سبب لن يكون لها من حظّ سوى تسجيل نقاط سياسية في حساب هذا الحزب أو ذاك ولكن الأفق الفعلي والحقيقي للمجتمع التونسي هو إقرار هذه الحريات والحقوق بل وتطويرها.