الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات



أفكار

صخب المهرجانات يعري قصور سياساتنا الثقافية


بقلم : منيرة رزقي

مضت أيام الصيف سريعا كحلم عابر أو كغمامة مهاجرة وبدأ سجل المهرجانات يطوى تدريجيا اذ اختتم البعض منها ولازالت بعض الايام القليلة التي تفصلنا عن إسدال الستائر عن الحفلات الصيفية التي اثثت مهرجاناتنا بمختلف أنماطها الدولية والمحلية الصغيرة والكبيرة التي احتضنتها المدن او القرى الصغيرة وتلك التي أثثها نجوم معروفون أو وجوه مغمورة يكتشفها الجمهور لأول مرة.

ولأن المهرجانات غالبا ما تتخذ طابعا شعبيا وتطلق عليها تلك العبارة السحرية «الجمهور يريد هذا» فإن الكثير منها سقط في خانة الاستسهال والبحث عن البريق الزائف ونجح بعضها والحق يقال في أن يراوح بين العروض الدسمة التي تشكل إضافة نوعية والعروض الترفيهية.

ورغم أنه من المفترض أن تقوم وزارة الإشراف بتقييم هذه التظاهرات الصيفية والاستماع إلى أهل الاختصاص من النقاد والإعلاميين المختصين في الشأن الثقافي والمبدعين من مختلف مشارف الفنون للوقوف عند الهنات أو الثغرات التي ينبغي تلافيها مستقبلا أو الوقوف أيضا عند النقاط المضيئة التي ينبغي العمل على دعمها وتعزيزها إلا أننا نعرف سلفا ألاّ شيء من هذا سيحدث وستمر هذه الفعاليات كما مرت سابقاتها دون غربلة أو تمحيص أو نقد.

وكالعادة ستوزع الغنائم على الذين أسهموا بالقليل أو الكثير في هذا الزخم الاحتفالي الذي عشنا على إيقاعه طوال ليالي الصيف والذي من ابرز نقاط ضعفه انه لم يكن متسقا مع السياق العام الذي تعيشه البلاد.

فبقدر ما كان صيفنا ساخنا وحادا سياسيا واجتماعيا في ظل أزمة اقتصادية وسياسية خانقة إلى جانب احتقان اجتماعي وجدل ثقافي وحقوقي لم ينته حتى اليوم بقدر ما كان شأن المهرجانات مختلفا وكأنها تدور في بلد آخر أو بالأحرى كوكب آخر.

وكأن صناع الظاهرة الثقافي والمشرفين على حظوظ الفعل الثقافي ينتمون إلى بلد آخر لا تعصف به الأزمات من كل صوب وحدب.

فقد طغى الصخب والطابع الفلكلوري والتخميرة التونسية الصميمة على المهرجانات وباستثناء بعض العروض القليلة التي راهن أصحابها على النوعية والتي بدت في اتساق مع المناخ العام إلا أن باقي الحفلات والفعاليات كانت ذات طابع كلاسيكي أثثتها وجوه معلومة لدينا من حيث نوعية ما تقدمها وطريقة هذا التقديم . حتى أن بعض الأصوات التي نالت حظوة كبيرة ورصيدا ماليا اكبر كانت حفلاتها بمثابة الجعجعة الفارغة والصخب العالي مع غياب الجدية في التعاطي مع المهرجانات الكبرى وغياب الرؤية والبرمجة وكانت بالتالي مجرد ترديد لاغاني الآخرين بشكل فج يجمع بين المتناقضات دونما انسجام أو تناغم.

والحقيقة أن هذه الحفلات بالتحديد أو هي وحدها التي تحيل بدقة على السياسة الثقافية في بلادنا التي تمضي دونما بوصلة والتي لم تتغير ولم تراع المتغيرات التي عصفت بالمجتمع التونسي في العقد الأخير.

وقد عرى صخب المهرجانات وحالة الهرج التي رافقتها قصور السياسة الثقافية ومحدودية رؤية المشرفين عليها.

ورغم تتالي مجموعة من الوزراء وغالبيتهم من أبناء الحقل الثقافي على كرسي وزارة الثقافة إلا أن دار لقمان ظلت على حالها ولم تتحلحل الأمور بل ظلت راكدة كبركة ماء آسنة.