الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات



تلوينات

عودة الحدّاد


بقلم: روضة الشتيوي

نشر مؤخّرا المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون «بيت الحكمة» كتابا يتضمّن نصّا مجهولا لنصير المرأة الطاهر الحدّاد قدّم له الأستاذ عبد المجيد الشرفي رئيس المجمع، وممّا ذكر في التقديم أن النص «كان مجهولا وقد عثرنا عليه ضمن الآثار التي خلّفها صديقه أحمد الدرعي ومدّتنا بها ابنته الأستاذة كلثوم المزيو». الكتاب موسوم بـ «الجمود والتجديد في قوّتهما» وهو عنوان يحيل على فكر الحدّاد الذّي كان كتاب «امرأتنا في الشريعة والمجتمع» خلاصة له وحمّالا لتفاصيله وتفرّعاته. واستهل الشرفي تقديمه قائلا: «من علامات العبقريّة التّي لا تخطئ أن يبقى ما ينتجه العبقري صالحا إن لم يكن على الدوام فعلى الأقل لمدّة طويلة. وهذا ما ينطبق على فكر الحدّاد، تقرأ ما كتبه منذ ما يقرب من قرن كامل فإذا به كأنّه كتب اليوم».

ومضى الأستاذ عبد المجيد الشرفي مفسّرا قوله بأن هذا «لا يعني أن التونسيّين خصوصا والمسلمين عموما يراوحون مكانهم وأنهم لم يتقدّموا منذ إصداع الحدّاد بآرائه الجريئة بل إنه يعني فقط أن رواسب من التفكير الجامد ما زالت موجودة رغم التطوّر الذي حصل في كلّ نواحي الحياة، وتقوم ردود الفعل على تقرير لجنة الحريّات الفرديّة والمساواة الذي نشر في جوان 2018 شاهدا على ذلك».

وبقطع النظر عن استنجاد الشرفي بهذا النص للطاهر الحداد وبفكره التحرّري المتّسم بالجرأة خصوصا إذا ما نزّلناه في سياقه الزّمني، للدفاع عمّا تضمّنه تقرير اللجنة التي هو أحد أعضائها، فإنّ ما يهمّ هنا هو هذه المبادرة المتمثّلة في طبع الكتاب -أو بالأحرى الكتيّب- وحفظ هذا النص الهام الذي فيه استمراريّة لفكر الحدّاد وتكريس لما فيه من تجديد وتحديث ومحاربة للرجعيّة والجمود في وقت نعيش فيه أعنف تكريس لكلّ أشكالهما بطرق شتّى متغلغلة في السياسي وفي المجتمعي في آن واحد.

اليوم يعود الطاهر الحدّاد إلى الواجهة بجهد من بيت الحكمة وهو الذّي لم تغب صورته ولم يخبُ صوته على مدى عقود في تونس الحديثة التي كان صاحب «امرأتنا في الشريعة والمجتمع» أحد المشاركين في بنائها بفكره ونظرته التحرريّة والمنفتحة على آفاق أخرى غير متاحة لغيره من أصحاب الفكر المتحجّر. فالطاهر الحداد هو اليوم أحد الذين يحفظ التاريخ أسماءهم في مجال التحديث والتنوير والمساهمة في التغيير والوقوف في وجه من يريد العودة بتونس إلىالوراء بآراء جديدة وجريئة في وقت كان فيه للجرأة ثمن باهظ لا يتحمّله غير المؤمن بأفكاره ومبادئه والقادر على الدفاع عنهما والتضحية في سبيلهما. أن يكون بين أيدينا اليوم نصّ مجهول للطاهر الحداد فهذه إضافة وإفادة للقارئ ولمسة وفاء لصاحبه وردّ اعتبار لجهد قام به هو عصارة تفكير ورؤى استشرافيّة تتطلّب مجهودا كبيرا، الأمر الذي ليس متاحا للكثيرين.

الحداد نصير المرأة والمعادي للجمود والتحجّر وما لف لفهما ممّا هو متاح اليوم بشكل لافت للانتباه ويدعو للخوف على مستقبل البلاد، يعتبر التذكير به ونفض الغبار عن أحد نصوصه التي تصبّ في نفس مشروعه التحديثي ضرورة ملحّة ونحن نشاهد كلّ هذا الزحف الظلامي ونشهد عليه وهو في أتمّ استعداده لنسف كلّ مقوّمات الحداثة في مجتمعنا وكلّ دعوة إلى مزيد التقدّم عبر الأفكار التحرريّة والهادفة إلى مزيد الرقيّ به.