الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات


هكذا أرى
النجمان المتألقان:

صالح جغام... ونجيب الخطاب..!


بقلم : محمد مصمولي

... قال زرادشت في رائعة «نيتشه» الخالدة :«إنّ في داخلي قوة ثائرة تريد إطلاق صوتها، وهي شوق الى الحبّ، بيانه بيان المغرمين، وأنا نورٌ وليتني كنت ظلاما، وما قضي عليّ بالعزلة والإنفراد الا لأنني تلفعت بالأنوار».

... فهذه «القوة الثائرة» هي قوة كلّ إبداع حقيقي لأنّها «شوق الحب» أي شوق العطاء والبذل لدى الشاعر أو الكاتب.. بل لدى كل مبدع فنان.. في أي شكل من أشكال التعبير.. بما في ذلك شكل التنشيط الإذاعي والتلفزي الراقي لا المبتذل طبعا، والمسكون بهاجس الاضافة.. لا بهاجس التهريج.. وعنصر الإثارة المجاني والبليد..

***

.. المرحومان المنشطان: صالح جغام ونجيب الخطاب، كان كلّ واحد منهما، يشعر في داخله بتلك القوة الثائرة التي تريد اطلاق صوتها، وهي حسب تعبير زرادشت (شوق الى الحب، بيانه بيان المغرمين)..

.. وبالرغم من أنّ «صالح» و«نجيب» لم «يقض عليهما بالعزلة والانفراد» لمحبة جمهور الإذاعة والتلفزة لهما، فقد كان كلّ واحد منهما يشعر بالغربة.. داخل الضجيج.. «متلفعا بالأنوار»، «يتشرب اللهب المندلع من ذاته».

.. هكذا أرى..

.. وأرجو ألاّ أكون مبالغا في ذلك!

***

.. شخصيا لم أتعامل .. في انتاجي الإذاعي إلاّ مع صالح جغام حين دعوته إلى تقديم برنامجي اليومي: (ما تسمعه اليوم تقرؤه غدا) بمعية الصوت الملائكي «نجوى إكرام».

.. في ذلك الوقت لم يكن «صالح» معروفا لدى المستمعين إلاّ بصوته في الربط بين البرامج، وذكر اسمه في ذلك التقديم ويمكن القول بأنّه كان مجهولا، نكرة.. فاذا به ... بعد البث اليومي كمقدم لبرنامج (ما تسمعه اليوم تقرؤه غدا) وبعد الذكر اليومي لإسمه ولقبه في عنوان كل حصة... باعتباره أحد عنصري التقديم (هو... ونجوى) يصبح المنافس الوحيد ... للمذيع الشهير «عادل يوسف» الذي كان يذكر اسمه يوميا في برنامج (عبرة ونغم)... دون بقية المذيعين.

... ولا أذكر هذه الحقيقة للتفاخر بكوني أول مَن اكتشف «صالح جغام» وأوّل من فتح أمامه طريق الشهرة الجماهيرية بفضل ذكر اسمه يوميا في «اللحن المميّز» لبرنامجي السالف الذكر، وإنّما لأشير إلى أنّ القوة الإبداعية في داخله التي كانت تريد إطلاق صوتها.. قد ساهمت (إلى جانب صوت «نجوى إكرام») في النجاح المنقطع النظير لذلك البرنامج، مع الإشارة إلى أن من أسباب نجاح البرنامج وتحوله إلى نقطة تحول أيضا: باختزال كلّ حصة من حصصه في دقائق معدودات من البث، واعتماده على طريقة السكيتش (بين صوته وصوت نجوى اكرام)، والفصل بين فقراته... بفواصل موسيقية سريعة.

وعلى هذا الأساس فإنّ المرحوم صالح جغام يمكن أن أقول أنّه قد ساهم معي... في التأسيس لما يسمى بـ «الإعلام البرقي» في الإذاعة الوطنية، أي هذا الإعلام المعتمد على أسلوب الفلاش.. وقصر مدّة البث، والتنويع الصوتي، وأصبح بعد تأسيسه في أواخر الستينات ... معمولا به في السبعينات وفي ما بعدها من قبل الإعلاميين في تونس..

وفي تلك الفترة الزمنية (من نهاية الستينات وأواخر السبعينات) كان صالح جغام يزورني في منزلي، ويرافقني في المجالس الأدبية التي كانت تجمعني بالشاعرين: منور صمادح وجمال حمدي، كما كان يتردد على مكتبي في الطابق الثالث بالإذاعة الوطنية حيث يجلس صامتا... متابعا الحديث الذي كان يدور بيني وبين (عبد المجيد بن جدو) أو بيني وبين الشاعرة (زبيدة بشير).

... وعندما بدأ «صالح جغام» التحليق بجناحيه الخاصين في سماء الانتاج الإذاعي والتلفزة، اعتمادا على الشهرة التي اكتسبها من برنامج (ما تسمعه اليوم تقرؤه غدا) إزداد نجاحا على نجاح عن طريق... «البث المباشر» أولا، ثم عن طريق البرامج التي أعدها بامتياز... مثل (ليال عربية) و(لقاءات عربية) و(حقيبة المفاجآت) و(مواجهة أمام الميكروفون) و(الجديد من هنا)...

أما على صعيد التلفزة فقد أنتج برامج ناجحة أذكر منها (من روائع الموسيقى العربية) و(ابحث معنا) و(منوعات تلفزية) و(ملفات ثقافية).

كل ذلك الى جانب تنظيم «صالح جغام» لـ(سهرات مغربية وعربية بالاشتراك مع نجيب الخطاب).

***

... وإنّ ما قلته عن تلك القوة الثائرة داخل صالح جغام، و(هي شوق الى الحب... بيانه بيان المغرمين) يجوز لي أن أقوله عن المنشط المبدع «نجيب الخطاب» الذي كان بامكانه أيضا أن يردد مع «زرادشت» عبارة: (وأنا نور وليتني كنت ظلاما، وما قضي عليّ بالعزلة والإنفراد إلا لأنني تلفعت بالأنوار...)

انتسب «نجيب» الى الإذاعة في عام 1974 (أي بعد عشر سنوات من انتساب «صالح» اليها) لكن تعاملي معه كان شبه مفقود، اللهم عندما دعوته، في مرّة أو مرتين، لتعويض «صالح جغام» في تقديم برنامج (ما تسمعه اليوم تقرؤه غدا) الذي ربّما أوحى إليه بفكرة إعداده أوّل برنامج في حياته تحت عنوان: (لحظات رياضية)، وهو برنامج يوميّ حول الرياضة، يعتمد على نفس الأسلوب المستعمل في برنامج (ما تسمعه اليوم تقرؤه غدا) أي طريقة «الفلاش» والفواصل الموسيقية السريعة، وقصر مدّة البث..

كان نجيب مُبدعا بكلّ المقاييس وأصبح، في وقت قياسي، نجما إذاعيا وتلفزيا، وذلك إثر انتقاله من الإنتاج في مجال الرياضة الى الإنتاج في المنوعات والبرامج الغنائية والموسيقية، بفضل نصحه من قبل المطرب/ الفنان عدنان الشواشي والملحن المتميز عبد الكريم صحابو...

حاولت بعض صحف الثمانينات «فبركة» خصومة بين «نجيب» و«صالح».. لكن ما أراه شخصيا هو أنّهما كانا يمثلان مدرستين مختلفتين، الأولى، ويمثلها (جغام) تنحو نحو التركيز على المثقفين والمبدعين، أما الثانية، التي يمثلها (الخطاب) فهي تنحو نحو الأسلوب الأكثر قربا من الشعب، بمختلف فئاته، التي يرى «نجيب» أنها حسب تصريحه للصحف (تعبّر عن الواقع والأصالة والكبرياء)، وفي هذا السياق قال أيضا:

ـ «.. ليس ضروريا أن أعلن في التلفزيون أنني أقرأ كتاب (الإشارات الإلاهية) لأبي حيان التوحيدي حتى يقال بأنني مثقف، فأن أتهم بالجهل خير لي من البروز في صورة المدعي للعلم والثقافة وأنا جاهل..!».

* * *

«صالح» و«نجيب» منشطان مبدعان ساهما في تكسير إطار الصورة النمطية للإعلامي التقليدي.

فكم نحن محتاجون، بعد 14 جانفي الى ذكاء قلب (جغام) والى نباهة وفطنة وفصاحة (الخطاب).. أحدهما كان يبدو منفعلا في جديته، والآخر كان مبتسما، بشوشا في جديته ايضا.

ومن المفارقات أنّ نجيب الخطاب كان يصغر صالح جغام بثماني سنوات وانتسب الى الاذاعة بعده بعشر سنوات.. وتوفي إثره بسبع سنوات.. لكنّهما غادرا الحياة في سنّ دون الخمسين (بأربع أو خمس سنوات)، وبتجربة في التنشيط والإنتاج تناهز ربع القرن من الزمن لكل واحد منهما.. وكأنّهما كانا على اتفاق في رحلة الابداع وفي رحلة الموت.. في اتجاه الخلود..

نعم لقد مثلا في حياتي شيئا.. كما مثّلا في الإعلام السمعي والبصري لحظة تألق.. متجاوزة للزمن.

فكم نحن الآن محتاجون إلى مثلهما للتقليص من مسافة القبح في الإعلام، ومن مساحة الإبتذال، ومن مسافة الشعبوية.. والتهريج.