الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات



حنا مينة في وصيته:

هشاشة الكائن الذي لا تحتمل خفته


منيرة رزقي

«عمرت طويلا حتى صرت أخشى أن لا أموت بعد ان شبعت من الدنيا مع يقيني أنه لكل أجل كتاب»، هكذا كانت وصية البحار الذي توغل في يم الكتابة ونذر نفسه لها رغم أنه انخرط فيها مؤخرا.

وقفزت هذه الوصية على سطح اهتمام وسائل الاعلام منذ ان اعلن خبر وفاته، هذه الوفاة التي جاءت بعد عقد من كتابة الوصية.

وهذه الوصية وثيقة تستحق التوقف عندها نظرا لصدقيتها والسياق الذي كتبت فيه فقد خطها صاحب الياطر وقد بلغ من الكبر عتيا ونهل من الدنيا حتى ارتوى ولذلك جاءت كلماته شفافة خالية من الزخرف ومحيلة على هشاشة هذا الكائن المنذور للابداع.

لقد جاءت هذه الوصية متسقة مع ما يفترض انه الحقيقة، نعني حقيقته الذاتية، طبعا ربما لأن الكاتب حبرها عندما انفض الكثيرون من حوله وهو في عزلته الاخيرة وانتهى بسيطا كما بدأ بمنأى عن تكلف العلاقات الاجتماعية الزائفة في مجملها.

وفي هذه الوصية اعلن حنا مينة عن هشاشته وهو يستعد للرحيل الاخير:

«لقد كنت سعيدا جدا في حياتي فمنذ ان ابصرت عيناي النور وانا منذور للشقاء وفي قلب الشقاء حاربت الشقاء وانتصرت عليه»، هكذا يختصر الكاتب الكبير حياته العميقة الزاخرة بالوقائع فهو منذ أن أبحر كشراع وسط العواصف يمخر عباب بحر متلاطم الامواج وواجه كل الثلوج القادمة من النوافذوهو يقدم للغة الضاد صفحة من اجمل صفحاتها.

«عندما ألفظ النفس الاخير امل واشدد على هذه الكلمة الا يذاع خبر موتي في اية وسيلة اعلامية...... فقد كنت بسيطا في حياتي وارغب في ان اكون بسيطا في مماتي........ كل ما فعلته معروف هو اداء واجبي تجاه شعبي ووطني.... وقد كرست كل كلماتي لاجل هدف واحد وهو نصرة الفقراء والبؤساء والمستضعفين في الارض».

كم كان حنا مينة كبيرا في نهايته التي اعلنها منذ عشر سنوات في وصيته وهو يفر ببساطته وهشاشته، وكم كان عميقا وهو يتخلى عن كل الزخرف الكلامي والقوالب الجوفاء ليتخلص من كل ما يثقل خفة الكائن وهو يحلق كطائر نحو وجهته الاخيرة او كبحار يفتح اشرعته البيضاء في اتجاه افق بلا غيوم.