الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات



هكذا أرى

خمسينية حركة الطليعة الأدبية (4)


بقلم : محمد مصمولي

... عندما تجرّني ذكرى حركة الطليعة الى وقت لم يذهب بعدُ، أي الى فجر سنوات السبعين من القرن الماضي، أراني كنت أحلم حياتي أكثر ممّا كنتُ أعيشها، وأرى بعيدا أمامي.. أحلاما لا يمكن أن تدفن في قبر، وتذكارات كالبلاسم التي لا تندمل، وذلك المنبر الإعلامي المتمثل في مجلة «ثقافة» التي تصدر عن دار الثقافة ابن خلدون، وتحتضن من شهوات القلب. نصوصا شعرية وأدبية نقدية لرفاق الكلمة والحرف ومن بينهم: عزالدين المدني، وسمير العيادي، ورضوان الكوني، وأحمد ممو، وابراهيم بن مراد، وصالح القرمادي، ومحمد صالح بن عمر، ومحمود التونسي والطاهر الهمامي، وفضيلة الشابي وعروسية النالوتي، والحبيب الزناد، ونور الدين عزيزة، وأحمد حاذق العرف الخ..

... بعض هؤلاء الرفق .. قد سبقتنا رحالهم الى المنازل الخفية وبعضهم الآخر من حركة الطليعة، مال ميزانهم وطفقت العتمة تتساقط عليهم أو انقطعت أخبارهم أو.. بدؤوا يدركون أنّ الأدب.. كالحب، أوّله تطلع الى الآتي.. وآخره إلتفات إلى الماضي (مثل.. ما أنا بصدده الآن في حديثي عن حركة الطليعة التي مرت خمسينية ميلادها.. في غفوة من «الذاكرة المثقوبة»).

تلك المجلة، أي مجلة «ثقافة» كانت ثاني منبر لكتاب حركتنا.. بعد مجلة «الفكر» التي كان لها شرف السبق في احتضان تطلعاتنا الأولى الى الإبداع.. حين كن نحسب أنّ الدنيا تبدأ منا.. أو... عليها أن تكون كذلك.. كما نريد.. ونهوى..

.. لكنّ مجلة «ثقافة» شاءت لها رياح المصادفات أن يبدأ عددها الأول بحوار أجراه معي رئيس تحريرها الأديب الراحل سمير العيادي، وأن يصادر عددها الأخير.. بشكوى رفعتها الى المحاكم جمعية «المحافظة على القرآن الكريم» ضد قصيدة بإمضائي وقصة بإمضاء احمد حاذق العرف.. وذلك بتهمة المسّ من «الاخلاق الحميدة» (حسب ما جاء في الشكوى).

.. أي أخلاق حميدة<

.. وما دخلُ الأخلاق في الأدب؟

.. فالرقابة التي مدّت سيقانها الوسخة فوق.. حرمة الفن، ومحراب الأدب، قد استهدفت من خلالي حركة الطليعة الأدبية التونسية.. وهذه المجلة، مجلة «ثقافة» التي ليس لها من ذنب سوى فتحها صفحاتها لأقلام.. تحلم بأدب آخر، وبشعر آخر، وبنقد آخر، وبقصة أخرى، وبمسرح مغاير.. وأيضا.. بواقع أفضل أكثر حرية...

... أقلام ثائرة ... فكريا وإبداعيا..

.. أقلام متمردة على المألوف والمعتاد...

... أقلام رافضة للمتفق عليه.. والمفروغ منه

.. أقلام تكتب صمتها بأصوات عالية.. ضدّ طقسية النمذجة للتكرر.. في الساحة الثقافية.. وفي ما جاورها.. من قريب أو من بعيد، أفقيا.. وعموديا..

.. هم يريدون أن يكون أدبنا الثائر جزية وضريبة ومشيا مستمرا على سطح من كبريت.. بأقدام حافية..

... تهمة المسّ من «الأخلاق الحميدة»، هكذا يقولون، فيا صدق التهمة، و.. يا نعْم السبة!

.. هل هؤلاء «الملتحون».. «المعمّمون» ، هم نفسهم الذين تهجّموا على زميلي في الطليعة الأدبية، وحرقوا ذلك العدد من مجلة «الفكر» المتضمن لقصة «الانسان الصفر» في الساحة العامة.. فقال عنهم «عزالدين المدني» ما يلي:

ـ «بعض رجال الدين الذين كانوا في الماضي من الأدباء الأردياء فلجؤوا الى الفقه البسيط.. واستخرجوا منه أحكامهم المسلحة.. وكأنّها محاكم التفتيش الكاتوليكية الجاهلية الرهيبة قصد القمع والقتل وهي ليستْ بأحكام الاسلام.. الدين المتنور.. وكأنهم بأفعالهم أكثر إسلاما.. وأعمق ايمانا... وأرسخ إعتقادا منا.. هيهات ثم هيهات..!».

... لكن ّ الفرق بيني وبين عز الدين المدني الذي تعرض لحملة مسعورة في الصحافة والمساجد هو أنّه لم يتعرّض مثلي إلى استنطاق بوزارة الداخلية... وإلى استنطاق آخر بالمحكمة الإبتدائية... بتونس العاصمة.

... وأنا.... في نظر هؤلاء الذين جروني إلى المحاكم.. قد أكون... «يساريا» مثل بعض كتاب أسرة تحرير مجلة (ثقافة) التي صادروها ومن بينهم الأستاذ صالح القرمادي.

وقد أتشرف بهذه التهمة لو كنتُ كذلك فعلا ... لكنّني في الحقيقة والواقع... لم أكن «يساريا» بالانتماء الحزبي بل... بالكتابة التي أردتها... معارضة ثقافية من خارج المعارضة السياسية... وسلطة ثقافية... من خارج سلطة السياسة.

.... وممّا أتذكره هو أنّ الكاتب التجريبي عز الدين المدني قد وصفنا، نحن كتاب حركة الطليعة، بـ «اليساريين/الثوريين» لكن على مستوى العقلية الأدبية، وكذلك على مستوى الأدب والكتابة والفن والفكر الجمالي... فقط...

... ولأنّ تهمة «اليسارية» تعني في أذهان المتطرفين بإسم الدين... قِلةَ الأدب والمسّ من الأخلاق الحميدة، والعلمانية والزندقة... فقد صَادَرُوا مجلة «ثقافة» بسبَبِي، وجروني إلى استنطاق البوليس والقاضي السيد «البشر كدوس» بالمحكمة الإبتدائية بالعاصمة.

... فهل هُمْ يُريدُون من الأدب أن يكون كالمرأة الحسناء المحجبة أو المنقبة التي لا حَقَّ لغير بَعلها أن يتمتع بجمالها?

... أليس الأدب، كما أردناه في حركة الطليعة الأدبية، إحداث خلخلة في الأشياء وفي المفاهيم والرؤى?