الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات


نقاط وحروف
بمناسبة المولد النبوي الشريف:

تحرير السّيرة المحمّدية من مختطفيها


بقلم: كمال الشيحاوي

لم يمنع التشكيك العلمي في دقّة التاريخ المتداول لمولد النبي «محمد» عليه السلام من قبل عديد المؤرّخين المعترف بمصداقيتهم العلمية المسلمين من الاحتفال هذا اليوم بهذه الذكرى العزيزة وجعلها مناسبة للتعبير عن مدى حبّهم لهذه الشخصية الاستثنائية في تاريخهم الدّيني والروحي والتعبير عن ذلك بالأناشيد والأغاني والشعر والخطب وغير ذلك. وإن كان الاحتفال الشعبي «فولكلوريا» غالبا، (إعداد العصائد، مثلا) وهذا طبيعي في معظم المجتمعات والحضارات التي تحتفي برموزها الروحية إلا أنّه يأخذ طابعا إيديولوجيا وسياسيا لدى الأنظمة والدول والتنظيمات الحزبية ذات الخلفية «الإسلاموية» التي تسعى لتكريس نظرة نمطية/موجّهة، تبرز كلّ ما يناسبها سياسيا من سيرة النبي وذلك بحسب الظرف السياسي الذي تعيشه. فإذا كانت هذه التنظيمات أو الدول في وضع السلم والدعوة ذكّرت بكلّ ما يؤكّد الطابع السلمي في سيرة وشخصية محمد (ص) لمّا كان في مكّة داعيا للرحمة والتسامح والهداية مؤكّدا بأنه «لا إكراه في الدّين» وإذا ما تمكّنوا من الحكم أو توفّرت لهم من أسباب القوّة والقدرة على ترهيب الناس عادوا إلى سيرة النبي في المدينة في دعوته للجهاد وتقتيل الكفار ونفيهم وقطع الطريق على القوافل وغزو القبائل وغير ذلك ممّا هو معروف في سيرته وسيرة بناء الدولة والخلافة.

إنّ ما نحتاجه اليوم، ليس العودة لسيرة النبي ودعوته لما كان نبيا مسالما، صابرا على قومه في مكّة والتخلّص من كلّ شريعة القتل والقصاص والجهاد التي ظهرت في المدينة. فهذا مطلب «طوباوي» (لطالما نادى به الرّاحل محمد الطالبي») وإنما التعامل التاريخي الموضوعي مع كلّ المراحل التي مرّت بها السيرة المحمّدية في انتقالها من مرحلة الدعوة/الثورة إلى مرحلة الحكم والدولة ومقاربتها في إطارها التاريخي والمعرفي «الابستيمولوجي» الخاص بها. فالقيم الدينية والروحية العامة دائمة ما دامت الحاجة لها بينما التشريعات والأحكام متبدّلة بحسب تغير ظروف البشر وحيواتهم ، وهو ما تكرّس زمن السيرة النبوية في نسخ الآيات وضبط الأحكام بأسباب نزولها وغير ذلك من استبدال الشريعة بمقاصدها. كما نحتاج دائما إلى تذكّر تأكيد القرآن الكريم بأن النبي محمد عليه السلام ما هو إلاّ بشر مثلكم، يمشي في الأسواق، ولا معجزة له سوى القرآن ذاته وذلك لمواجهة كتب السيرة الكلاسيكية «المؤدلجة» منذ سيرة ابن هشام وصولا إلى آخر اصدارات شيوخ السلفية المعاصرين (مثل عائض القرني في كتابه «محمد كأنك تراه») والتي سعت بكلّ الطرق لجعل كمّ هائل من الأساطير والروايات الضعيفة وما يعرف بالإسرائيليات جزءا من السيرة النبوية. وقد صارت هذه القصص من فرط تداولها وتكرار روايتها وكأنّها صحيحة لا يرقى إليها الشك مع أنّ حججها ضعيفة بل ومتعارضة في كثير من الأحيان مع منطق الأحداث وتتابعها ومعطيات البيئة الحضارية التي عاش فيها النبي وصحابته وأنصاره.

كانت البداية مع كتاب «الشخصية المحمّدية، حلّ اللغز المقدّس» لمعروف الرصافي المعروف بكونه شاعرا من كبار شعراء العراق، وقد منع تداول هذا الكتاب الصادر في أربعينات القرن الماضي لسنوات طويلة إلى أن أعادت دار الجمل طباعته ليثير في المدّة الأخيرة اهتمام الباحثين والمختصين في السيرة النبوية والذين وجدوا فيه أفكارا وآراء كانت متقدّمة على زمن كتابتها. ثمّ كانت كتب الباحث المصري «سيد القمني»عن معارك الرسول وحروبه، وعدد من مقالات وبحوث الكاتب التونسي «العفيف الأخضر» والتي صدرت إثر وفاته في كتب ومنها مؤلّفه «من محمد الإيمان إلى محمد التاريخ» وهو أوّل مبحث يتناول سيرة النبي من وجهة نظر التحليل النفسي. ولقد ازدادت الرغبة العلمية في التقدّم بقراءات أكثر عمقا وتفصيلا عن حياة النبي مع توالي صدور ثلاثية المؤرخ التونسي «هشام جعيط» عن دار الطليعة وهي بحق من أفضل المؤلّفات وأكثرها دقّة في قراءة السيرة النبوية. وقد أخذت من عمر المؤرّخ والمفكّر التونسي «جعيط» أكثر من عشرين سنة قارن فيها بين المعطيات المبثوثة في كتب السيرة ومؤلّفات المستشرقين الفرنسيين والألمان خاصة وخلص فيها إلى نتائج وأفكار كانت صادمة (بالمعنى العلمي) للكثير من الناس. وتبيّن بالمقارنة أن الكثير من المعلومات التي نتداولها تحتاج إلى المراجعة، من ذلك اسم النبي (كان اسمه الحقيقي «قثم» وعمره عند النبوة المشكوك فيه وقصّة غار حراء المصطنعة)، ومعنى «أمّية الرسول» التي لم تكن تعني الجهل وإنما كونه من غير بني اسرائيل، وظروف انتصاره في معركة «بدر» بفضل حنكته السياسية ومعرفته الحربية التي مكّنته من إضعاف قريش ودخولها منتصرا و استفادته من ضعف القوى الامبراطورية في ذلك الزمن (بيزنطة وفارس) واستعداد العرب للقيام بدور تاريخي في المنطقة بقيادة قريش. ولم تتوقّف شهية الباحثين عن طرق المواضيع الأكثر دقّة من ذلك مؤلّف «سلوى بلحاج الطيب صالح» الذي خصّصته للسيدة «خديجة» زوجة الرّسول التي حمته وساندت دعوته، حيث بيّنت ما كانت تتمتّع به هذه السيّدة من ثقافة ومعرفة دينية وحضارية كبيرة، فضلا عن علاقتها الخاصّة بالمسيحية، وكيف كان بيتها أشبه بـ«صالون ثقافي» يجتمع فيه النبي وبعض صحابته ويخوضون فيه في الكثير من القضايا. ويندرج كتاب «الأيّام الأخيرة في حياة محمّد» لهالة الوردي والصادر بالفرنسية عن دار «ألبان ميشال» مؤخّرا في هذا السياق الدراسي العلمي، إذ يبحث في آخر أيّام محمّد و خاصّة آخر ثلاثة أيّام من حياته. ويكشف ما كان للبعد السياسيّ من دور مركزي في حياة نبيّ الإسلام و حياة من يحيطون به، و هو ما يعزّز إمكانيّة وجود الحيلة و الكذب و النّفاق بين الصّحابة لا بل إنّ الأمر قد يصل إلى طرح إمكانيّة قتل محمّد للاستيلاء على السّلطة. وقد أخرج البخاري في باب «مرض النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته» 791/7- 4428 ما يلي: «وقال يونس، عن الزهري: قال عروة: قالت عائشة رضي الله عنها: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في مرضه الذي مات فيه : «يا عائشة، ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر». ويفيض كتاب «هالة الوردي» بالفرضيات التي تطرحها للبحث، وهو على طرافة شواغله يطرح الكثير من الأسئلة الجدّية من ذلك أسباب غياب الصحابة – و هم الأكثر قربا للنبيّ – عن مراسم الدّفن. وهل كان الإعداد للخلافة و التّلهف على السّلطة أسبابا كافية للتخلّي عن جثمان محمّد و تركه ملقى دون دفن لمدّة يوميْن ؟

الأكيد أن محبتنا للرسول وتقديرنا له سيزدادان كلّما تعرّفنا أكثر على الشروط التاريخية والموضوعية التي عاش فيها وانتصرت فيها دعوته وأمّا من يكذبون عليه باختلاق الأساطير والقصص والاسرائيليات التي تبالغ في وصف طابعه المجاوز للتاريخ والواقع فهم في الحقيقة لا يحبّون سوى استيهاماتهم ومطامحهم الايديولوجية في أن يجعلوه مجرّد مبرّر عقائدي لكي يحكموا في رقاب الناس باسمه.