الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات


أرى ما أريد
تآكل الطبقة المتوسطة ونذر الخراب :

الآن وقد انهارت رمّانة الميزان ...«ماذا نحن فاعلون..؟


بقلم : منيرة رزقي

لعل عبارة تآكل الطبقة المتوسطة لم تعد معبّرة بالقدر الكافي عن حال فئة كبيرة من أبناء الشعب التونسي الذين راهنت الدولة التونسية عليهم ليكونوا مفخرتها بين الأمم في المجال الإقتصادي الذي تتباهى بتوازنه واستقراره.

وباعتبار أن الطبقة المتوسطة هي رمانة الميزان كما يقول علماء الاقتصاد فإن الرهان عليها هو رهان على السلم الأهلي وهذا ما بات مفقودا اليوم.

فالحقيقة أنه على امتداد ما يربو عن عقد من الزمن ساهمت سياسات الدولة الإرتجالية في الميدان الإقتصادي في تراجع واضح للطبقة المتوسطة تمثل خصوصا في الاندحار التدريجي لها وذلك بفعل عوامل التضخم وتدهور المقدرة الشرائية والتآكل الواضح لجودة الحياة والذي جعل نسبا عالية من أفراد هذه الفئة تعاني من الإحباط بعد أن باتت على حافة البؤس.

وباتت هذه الشريحة التي تتكون بالأساس من الإطارات والموظفين ورجال التعليم وغيرهم عاجزة عن إيجاد توازناتها المالية وغرقت في الاقتراض حتى بلغ التداين الأسري في تونس أرقاما خيالية وبعبارة الأمين العام لاتحاد الشغل السيد نور الدين الطبوبي « الشهرية ما عادش تشد جمعة ».

وهو توصيف عميق للأزمة التي وجدت هذه الطبقة المتآكلة نفسها فيها.

حدث هذا بالتدرج وبفعل السياسات الممنهجة لضرب رمانة الميزان في مقتل وتحقق ذلك بالفعل.

ويتزامن هذا الإنهيار مع ظاهرة لافتة في المجتمع التونسي وهي الثراء السريع وتنامي مظاهر البذخ المتمثلة في بروز مظاهر الرفاه في بعض الأحياء ولدى بعض الفئات من الأغنياء الجدد الذين امتلكوا القصور والسيارات الفخمة في غفلة من المجتمع والدولة وذلك عبر امتهانهم لأعمال مربحة ، ولكنها لا تعود بالنفع على الدولة فهؤلاء الذين يمارسون أنشطتهم المربحة التي لا نعلم الكثير عنها ولا عمن يقف خلفها يضربون عرض الحائط بكل القوانين ولا يؤدون واجباتهم الضريبية التي وحدها الطبقة المتوسطة تلتزم بها على أفضل وجه ودونما نقصان.

ليس هذا فحسب بل إن المشاريع التي يقومون بها ليست سوى إمعانا في دعم مجتمع الاستهلاك وهدفها ربحي صرف لا يؤسس من بعيد أو قريب لمراكمة ثروات تعود على المجموعة الوطنية بالفائدة ولا تساهم في خلق دينامية اقتصادية وتنشيط دورتها وليست لها أدوار تنموية أو تشغيلية واضحة.

ولعل هذا ما خلق حالة من الحقد الطبقي غير مسبوقة في بلادنا وذلك بعد أن إتسعت الهوة بين الفقراء والأغنياء فقد تهاوت الطبقة المتوسطة لتلتحق بالفقراء بحسب المؤشرات الإقتصادية المعروفة كما بلغت نسبة عدد الذين يقبعون تحت خط الفقر ارتفاعا هائلا وغير مسبوق.

وبالتوازي مع ذلك إرتفعت نسبة الأثرياء الجدد الذين يعيشون حالات الرفاه المطلق على مرأى ومسمع من الفئات المهمشة غير عابئين بأنّاتها.

وهذا ما خلق حالة من التوترات الإجتماعية وجعل العلاقة بين الطبقة المرفهة والفقيرة عدائية ولا تقوم على التضامن كما أن المشاريع التنموية الكبرى التي من شأنها أن تحقق النهوض الإجتماعي وتحسن أوضاع الطبقات المسحوقة غابت.

وإذا كان المنوال التنموي التونسي قد أدى بنا إلى هذه النتائج الكارثية فإننا حتى اللحظة لم نلحظ أي بوادر أو نية من قبل الفاعلين السياسيين لتغيير المنوال وإيجاد آخر جديد يقطع مع السلبيات القائمة حاليا. ويبدو أن الإرادة السياسية غائبة اليوم ومنذ ما يزيد عن عقد من الزمن لحلحلة الأوضاع. وفي ظل الحالة الراهنة لابد من الجزم بأن هذا الإنهيار حامل لنذر الخراب ... ولا نملك سوى الدعاء ليحمي الله بلادنا منه.