الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات



تلوينات

المثقفون والخطاب النقابي بين التكامل والقيادة


ما نلاحظه في هذه الأيام وتونس تعيش على وقع حراك نقابي كبير هو التحام العاملين بالفكر والساعد في دائرة نضالية مشتركة، من أجل الدفاع عن حقوق الطبقة الوسطى، وخاصة من أجل تحسين قدرتها الشرائية في ظل الغلاء المتواصل للأسعار. لكن يبدو أن هذا الالتحام ومثلما هو ظاهر للعيان غير متكافئ، حيث أن المناضلين بالفكر في الميدان النقابي هم في الحقيقة ليسوا إلا تبعا لأهل الساعد وإن بدوا للعيان شركاء متكاملي الأدوار.

وما تهمّنا الإشارة إليه في هذا السياق هو أن يكون أهل الفن والفكر والثقافة هم من يلهمون الشعب -وفي طليعته الفئات النقابية- الأفكار والشعارات المتصلة بكل مرحلة، فالمثقف وبما له من أدوات فكر نقدي ونظرة استشرافية وقدرة على تشخيص الواقع وتجاوز عراقيله ينبغي أن يكون الحامل الأول للمسؤولية النقابية طالما أن مبادئها وغاياتها من جوهر رسالة المثقف ومن صميم وظيفته الإبداعية.

فالخطاب النقابي الحالي وعلى نبله وبصرف النظر عن نجاحه في استقطاب الرأي العام المستفيد منه فإنه يتعرض إلى بعض الشيطنة والتشويه رغم عفويته وخلوّه من أي بُعد إيديولوجي، ذلك أنه يحمل مطالب بسيطة للطبقة الوسطى التي تتعرض للتآكل والتضييق والإهمال نتيجة بعض السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي أملتها الهياكل الدولية المقرضة لتونس.

إذن من المنتظر بداهة أن تقوم القوى الثقافية بدورها في تبني الخطاب النقابي نقدا وتطويرا وإسهاما في إثرائه عن طريق القصائد ذات المواضيع النقابية والأعمال القصصية والروائية التي تنقد الوضع الراهن وتتمثل عبر شخصياتها أصوات النضال النقابي، والأمر نفسه موكول إلى أهل المسرح والسينما والفنون التشكيلية.

فكل ما رأيناه مثلا في الإضراب العام أول أمس بباردو هو تجمّل بعض الجامعيين والإعلاميين والمبدعين بالصور في صفوف المتظاهرين وتنزيلها بصفحاتهم على الفايسبوك، وهذا نوع من الإمعيّة لا تليق بقادة المجتمع ولا بمرآة عصرهم وهم القوى الأكثر حكمة وعقلانية في البلاد وقاطرة تقدمها.

وكان يمكن أن نرى في هذا الإضراب حضورا كبيرا للمثقفين وخاصة لمشاهيرهم، كما كان في المستطاع أن يتحول هذا الإضراب وغيره إلى مهرجان راق نسمع فيه الموسيقى التي تحمل هموم الشعب التونسي في هذه المرحلة الانتقالية الحرجة من تاريخ بلادنا، وأن ينتصب الشعراء معبرين بقصائدهم عن المطالب المشروعة للفئات الكادحة، وأن تصدح أصوات المفكرين والجامعيين بالخطابات التي تنير عقول المناضلين بالساعد، فالغضب الشعبي والنقابي يمكن أن يتم التعبير عنه أيضا بالاحتجاجات والإضرابات التي وإن كانت بعيدة والحمد لله عن العنف في تونس فإنها لا تتخلى عن روحها الإبداعية ومظهرها الراقي المتمثل في التجمّل بالفنون والأدب.

وما نأمله في الأخير حتى لا نقول ما نحلم به هو أن يتشبّع الخطاب الثقافي التونسي الراهن بأدبيات الفكر النقابي وقيم النضال الاجتماعي، وأن ينفتح في المقابل الخطاب النقابي التونسي الماثل على الآفاق الثقافية الرحبة، بما يجعل من الفن والأدب والفكر وسيلة من وسائل الاحتجاج على الحيف الاجتماعي وعلى السياسات الخاطئة للحكومات المتعاقبة، وكذلك وهو أداة توعية في خدمة الشعب الكادح الذي يحتاج وأكثر من أي وقت مضى إلى من ينهض به ويدافع عن مستقبل أفضل له في ظل توحّش الطبقة الرأسمالية، وطغيان المؤسسات المالية العالمية التي تسعى إلى تدجين البلدان وتنميط المجتمعات وتغليب ثقافتها الابتزازية والاستلابية على حساب قهر العمال والفقراء وإلغاء الجانب الاجتماعي من السياسات الحكومية، وكل ذلك في إطار مشروع العولمة الشرسة في باطنها والناعمة في ظاهرها، التي لا هدف تسعى إليه إلا القضاء على مفهوم الدولة الراعية للفئات الاجتماعية الضعيفة والهشة من أجل تعويضه بمفهوم دولة الإنتاج أو بمعنى أدق دولة السوق الحرة التي ترتع فيها الشركات العملاقة المتعددة الجنسيات أو العابرة للقارات.

 


منصور