الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات


أرى ما أريد
عندما يقرر مستشار بلدي البقاء في ألمانيا بطريقة غير نظامية :

«الحَرْقَة» بأوراق رسميّة ...


بقلم : منيرة رزقي

في بلاد الطرنني رواية شهيرة لكاتبنا الكبير علي الدوعاجي غالبا ما نستحضرها ونستشهد بها للتدليل على قمة استغرابنا واندهاشنا من وضعية غريبة أو مفارقة لافتة ...

والحقيقة أن بلادنا باتت منذ فترة بلاد العجائب والغرائب تتوالى فيها الوقائع الغريبة التي تعادل ما يحدث في أدب الواقعية السحرية الذي برع فيه مبدعون من أمريكا اللاتينية كإفراز لتحولات إجتماعية وسياسية عصفت في فترة مخصوصة بتلك البقعة الجغرافية.

آخر الوقائع الغريبة واللافتة التي تداولتها وسائل الإعلام وتوقف عندها رواد مواقع التواصل الاجتماعي وتم التطارح بشأنها ما بين هازل وجاد واقعة قرار مستشار بلدي منتخب الاستقرار في ألمانيا التي سافر إليها في إطار مهمة عمل ولكن نفسه سولت له أن «يحرق» ولكن بأوراق رسمية هذه المرة بجواز سفره وتأشيرته وأيضا لعله يكون أول حارق في تاريخ هذا النمط من الهجرة يصل على متن طائرة إلى الضفة الشمالية ويستقبل بمنتهى اللياقة ويقيم في نزل أيضا.

وهنا مكمن الطرافة أو الغرابة لا فرق هنا فهذا المستشار البلدي اختار وبمحض إرادته الاستقرار في ألمانيا بطريقة غير نظامية وأرسل نص استقالته في رسالة الكترونية إلى زملائه في البلدية.

وكان رئيس بلدية رادس التي ينتمي إليها هذا المستشار فتحي بن حميدة أكد هذه الواقعة كما أضاف أن الحكومة طلبت من بلدية رادس ترشيح عضو بلدي شاب ليشارك في مؤتمر حول اللامركزية بألمانيا، فتم اختيار هذا الشاب عن طريق القرعة وسافر هذا الشاب الذي يبلغ من العمر 35 سنة.

وكانت المفاجأة في إنتظار المجلس البلدي برادس فبعد نهاية المؤتمر المذكور لم يعد زميلهم في الوقت المحدد وبدل عودته أرسل نص إستقالته عبر البريد الإلكتروني.

وهذه سابقة خطيرة رغم طرافتها في تاريخ الهجرة غير النظامية التونسية فبقدر ما دأبنا على متابعة أخبار أفواج المهاجرين بشكل سري عن طريق البحر الطامحين إلى إدارك الضفة الأخرى الضفة الحلم أو الجنة الموعودة كما يتمثلها بعض الشباب الذي سئم من الأزمة الخانقة التي تعيشها بلادنا منذ فترة طويلة بقدرما يبدو غريبا أن يسافر مستشار بلدي تبدو وضعيته عادية وفق تصريحات رئيس بلدية رادس تم إنتخابه ليشارك في سياسة الشأن المحلي لكنه يقرر الحرقة بهذه الطريقة.

وحتى اللحظة لا يبدو واضحا ما يمكن إتخاذه ضد هذا المستشار الحارق وإمكانية متابعته بشكل قانوني في البلد الذي قرر البقاء فيه.

وتفتح هذه الواقعة الباب على مصراعيه أمام قراءة متشائمة جدا للواقع التونسي الذي بات بائسا وسوداويا ولكن أيضا عبثيا وبلا معنى وفاقد الجدوى بعد أن بات كل شيء جائزا في بلد مفتوح على كل الإحتمالات ينتظر أهله ما لا يأتي وبات في هذا السياق حلم جميع أفراد الشعب التونسي الهجرة ومغادرة البلاد كل بطريقته.

فمن الملاحظ أن الكفاءات النوعية تهاجر يوميا وأصبحت أعداد المهاجرين كبيرة بشكل لافت بل هو نزيف حاد من شأنه أن يفرغ البلاد من أدمغتها وكفاءاتها ويجعلها خالية الوفاض لاسيما وأن تونس راهنت منذ بناء دولة الإستقلال على الموارد البشرية وعلى ذكاء أبنائها الذين بنوا أسسها بسواعدهم وأفكارهم الخلاقة.

أما الشباب العاطل عن العمل أو الذي يمارس أعمالا من قبيل البطالة المقنعة فهو يلقي بنفسه في عرض البحر معتقدا أن الحياة في مكان آخر أفضل حتى وإن كلفته الهجرة السرية حياته فهو يرى أن وجوده في هذا البلد يساوي العدم وهي حقيقة بالغة المرارة بكل أسف.

ولا يستثنى عموم التونسيين من الرغبة في الهجرة أو «الهجة» كما تقال بالعامية التونسية للتعبير عن الرغبة الحارقة في المغادرة بعد أن باتت الحياة صعبة إن لم نقل مستحيلة هنا ولكن العوائق الأسرية والمالية والقانونية وعائق الحواجز الجمركية تمنع من ذلك.

ولاشك أن حادثة هذا المستشار البلدي تثير في الذهن كل قضايا الهجرة المطروحة اليوم على المجتمع التونسي والتي تحتاج إلى إجراءات عاجلة في المجال الاقتصادي والاجتماعي والسياسي حتى نجعل الحياة تطيب الآن وهنا.