الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات



تلوينات

أيام قرطاج السينمائية وبعد؟


لكل تظاهرة ثقافية خصائصها وجمهورها ولكن لها أيضا وهو الأهم أهدافها. فلأيام قرطاج السينمائية مثلا غايات ونجاحات. فقد نشطت الإعلام الثقافي وأمّها جمهور واسع من عشاق الفن السابع ومن أصحاب الاهتمامات الثقافية، وكانت مدار نقاشات النخب الثقافية. كما أقامت الدليل في دورتها الحالية مثلها في بقية الدورات الفارطة على أنها من أكبر التظاهرات الثقافية في تونس، وليس ذلك بالغريب لعراقة هذه الأيام السينمائية وشهرتها على الصعيد الإفريقي والعربي والمتوسطي.

صحيح أن هذه الأيام قد ساهمت في تنشيط قاعات السينما وإحياء العلاقة الفاترة بينها وبين الجمهور، غير أنها ولئن برزت في هذه الدورة وكأفضل ما يكون البروز نزعتها إلى الانفتاح على الفئات الاجتماعية التي تحتاج إلى التأطير الفني والفكري حتى تخرج من دائرة التهميش والانحدار إلى العنف والإجرام، وهي فئة المساجين، فإن هذه التظاهرة السينمائية التي قطعت مع المركزية الثقافية وهي تتجه بعروضها إلى بعض الولايات الداخلية حتى تتقاسم مع أهاليها ومثقفيها الشغف السينمائي، تحتاج وكأكثر ما يكون إلى أن تتحول إلى مؤسسة نشاط دائم يقطع مع بُعدها الدوري القديم بين فترتين زمنيتين متباعدتين، لتصبح مهرجانا دائما لا تتوقف عروضه ولا أنشطته ومسابقاته الصغرى وورشاته وندواته النقدية، وأن يتصل مداها بأفق العامة والخاصة في الجبال والأرياف والمدارس والمعاهد والجامعات. لأن الفعل الثقافي إما دائم أو لا يكون، لا سيما أن المناسبتية لا تغرس الثقافة ولا تسهم في بناء رابطة وثيقة مثلا بين السينما وجمهورها. ويُشار في هذا المعنى إلى أهمية العُمق الشعبي في ضمان تحقيق أهداف مثل هذا النشاط السينمائي الدولي بتونس.

ولطالما ارتبطت وزارة الثقافة بمهمة حفظ التراث بصنفيه المادي والمعنوي، وما أكثر الحديث اليوم عن النفاذ إلى المعلومة، لكن لا شيء من هذا يمكن إدراكه في حقل الشؤون الثقافية، حيث أن ما يتمّ تنظيمه لا ينبغي أن يذهب أدراج الرياح في الطقوس الاحتفالية الدورية ومع انطواء صفحة كل يوم من أخبار وتعليقات المنابر الإعلامية. ذلك أن ما نأمله هو تبني وزارة الثقافة لاستراتيجية متوسطة المدى وبعيدته في مجال خلق حركة فكرية سينمائية ترمي في جملة أهدافها إلى حفظ ذاكرة السينما التونسية عبر رعاية حركة تأليف نشيطة تُعنى بالتأريخ والنقد وتنويع زوايا النظر في التعاطي مع المسألة السينمائية من الجوانب الإبداعية والسيكولوجية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والإيديولوجية، هذا علاوة على العناية بتراجم حياة ومسيرة العاملين في هذا القطاع.

كما لا نغفل عن ضرورة رعاية وزارة الإشراف لحركة الترجمة سواء عبر فتح الوعي التونسي على آخر المستجدات في عالم الفن السابع أو عبر ترجمة الكتب السينمائية التونسية إلى مختلف لغات العالم من أجل تأصيلها في بيئتها الثقافية والمغاربية والعربية والمتوسطية وكذلك من أجل التعريف بها على أوسع نطاق وبأيسر السبل. وفي المستطاع أيضا تنزيل ما يتم توثيقه أو تأليفه أو ترجمته في بوابة كبرى على الانترنات يسهل على المهتمين بالشأن السينمائي من مختلف القارات النفاذ إليها.

وغير خاف عناية البعثات الديبلوماسية بالشأن الثقافي عبر العالم، ومن ذلك وجود خطة ملحق ثقافي بكل السفارات التونسية بالخارج، كما توجد في صفوف الجالية التونسية المقيمة بالمهجر نخب مثقفة وعناصر مولعة بالسينما الأمر الذي يستدعي التفكير في سحب أنشطة وعروض تظاهرة عريقة وكبرى كتظاهرة أيام قرطاج السينمائية إلى بعض الدول الأجنبية ذات الكثافة التونسية من المقيمين خارج أرض الوطن، حتى تكون أولا همزة وصل ثقافي معها وثانيا من أجل تحقيق إشعاع تونس والتعريف بإبداعاتها لدى نخب تلك البلدان. قد تبدو المسألة للوهلة الأولى طوباوية أو صعبة التحقيق ولكنها في حقيقة الأمر سهلة المنال لأنها تصبح في مقام الأسابيع الثقافية والأيام السينمائية التي تسهر الكثير من السفارات وبشكل دوري على تنظيمها وعلى دعوة وسائل الإعلام والمثقفين والممثليات الديبلوماسية النظيرة لمتابعتها.

ثم أليست الثقافة بحثا دائما عن التجدد والإضافة وإصلاحا للراهن وتجاوزا للواقع؟ لذا فإن الانفتاح على كل الأفكار والمقترحات يعد من عناوين التقييم والتطوير والنهوض بهذا التظاهرة التي لا نجحد نجاحها ونبل رسالتها وتطور أهدافها على نحو تدرجيّ رصين.

 

 


منصور