الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات



هكذا أرى

خمسينية حركة الطليعة الأدبية (3)


بقلم : محمد مصمولي

... تمرّ الأعوام، على العَهْدِ بها، في عَجَلَةٍ مِنْ أمرها، وكأنها لا تبوح بسرّها الى أحد من الناس، لكنّ حركة الطليعة الأدبية التونسية التي تشعرني بأنّها كانت لحظات في حياتي ملتهبة... تظلّ إشْتِعَالاً... تأبى وقدته أن تنطفئ وذلك بالرغم من نقاط الالتقاء... ونقاط الإختلاف... التي كانت بيني وبين بعض زملائي الشعراء والكتاب/في/الحركة، وبالرغم أيضا من أشياء أخرى لا تقال....

... ولعلّ الأهم من كلّ شيء في حركتنا الأدبية تلك هو ما اعتبرته شخصيا ودعوت اليه وفشلت في تحقيقه حفاظا على ما يجمع بخيط رفيع جبهات الإختلاف، وفقا لوحدة في التنوع، هي وحدة التجريب والسعي الى التميز عن المعتاد والمألوف.. كما السعي الى تمايز بعضنا عن بعضنا الآخر...

وبكلام أوضح... فالأجمل، أستطيع أن أقول، في حركتنا... هو تلك الحركية، والدينامية... والحلم والمغامرة من أجل أن نفكّر بصوت عال وأن نحتجّ ضدّ ما هو مفروغ منه... ومتفق عليه أو مسكوت عنه... وأن نلقي بحجرة في البركة الآسنة...

فقد كان الجانب الكبير من زملائنا في الطليعة يتصوّر أنّ الأدب «التونسي» البديل للأدب «الرديء» الذي كان سائدا يَكمن في الخط الثالث للِاشرق وللاّغرب (كما ذهب إلى ذلك الزميل عزّ الدين المدني) أو في «التطعيم الإيقاعي» للفصحى بالدارجة (كما ذهب إلى ذلك رئيس تحرير مجلة الفكر) الأديب البشير بن سلامة، أو في الاستعاضة عن الفصحى بالعامية (كما ذهب إلى ذلك الشاعر الطاهر الهمامي) عندما اعتنق «المنحى الواقعي» ودعا إلى «الكتابة باللغة التونسية»... لتصبح الدارجة الشفوية بَدِيلا للغة الأم أي للغة الكتابة).

... صِيغٌ ثلاث لِتَوْنَسة واحدة... وهي صيغ مختلفة:

ـ الأولى تركز فيها الهوية المنشودة على أدب تونسي لا شرقي ولا غربي لكنّ لغته ليست بالضرورة ... عربية أو عامية، ويمكنها .. حتى أن تكون أجنبية!!

ـ الثانية ترتكز على مسألة الشخصية التونسية الوطنية ولكنّ لغة الأدب التونسي تقتضي تطعيمها إيقاعيا باللهجة الدارجة دون الاستعاضة عنها باللهجة الدارجة.

ـ الثالثة وهي الأخطر، تَدْعُو إلى الإستعاضة عن اللغة بالدارجة التونسية، وإلى الإستعاضة عن الإبداع بالإيديولوجيا وهي تذكّرنا لا فقط بما ألفناه في بعض الآداب الشيوعية من البحث عن «مخاطبة الشعب بلغة الشعب»، أي بالعامية، وإنّما تذكّرنا أيضا بأساليب الإستعمار في الماضي التي يُرِيد بها إقناع المجتمع العربي... بازدراء ثقافته العربية عن طريق حمله على الشكّ في لُغَتِهِ وإحتقارها، إيمانا منه ومن استراتيجياته الجهنمية بأن مَوطن القوة... ومراكز المقاومة هي الثقافة العربية لأنّ الذاتية العربية تتمحور، إلى جانب سِمَات أخرى حول لغتها العربية بِمَا تحمله مِن قيم سامية وتجارب غنية وإبداعات فكرية خالدة.

وأنا هُنَا لا أنطلق من إيديولوجيا قومية للردّ على إيديولوجيا شيوعية بل من إعتبار أنّ قضية اللغة، قضيّة أساسية على مستوى الشخصية الحضارية في المعنى الأنتوبولوجي، وعلى مستوى الشخصية الثقافية في المدلول الفكري...

* * *

.. تلك هي الاجتهادات التي كانت، باسم التونسة والأدب التونسي البديل فكنت شخصيا أقرب الى بعضها من قربي من بعضها الآخر، وهذا الاخر الذي جعلني أستقيل عن اللغة الأم، لغة الكتابة باللهجة العامية، وفي الاستعاضة عن الإبداع بالإيديولوجيا الشعبوية.

لكن هذا الاختلاف المبدئي مع الدعوة المشار اليها من قبل المرحوم الشاعر الطاهر الهمامي في بداية السبعينات لم يمنعني لدى إشرافي على دار الثقافة ابن رشيق في الثمانينات من القرن الماضي أن أستضيفه بمعية الناقد الطليعي محمد صالح بن عمر في نادي الشعر.. وبحضور شعراء آخرين أذكر من بينهم.. آدم فتحي ومحمد العوني ومنصف المزغني وآخرين.. ليدافع عن قناعاته في الشعر والأدب .. كما يريد..

بل إنني وبرغم إستقالتي التي عبرتُ عنها في كتابي الشعري الأول (رافض والعشق معي) الصادر في سنة 1972 وذلك بعد الانتكاسة التي عرفتها حركة الطليعة الأدبية... وبالخصوص غياب اتجاه (في غير العمودي والحر) الذي يمثله شاعرنا الراحل الطاهر الهمامي ظللت من المدافعين عن الطليعة.. أما موقفي من مفهوم «الأدب التونسي»، فهو يتمثل في أنّ تنوير اللغة فيه ينبغي ألاّ يكون على حسابها، والبحث عن بديل لها...

لكن هل يجوز القول بأنّ هناك أدبا تونسيا، وآخر جزائريا، وثالثا مصريا أو سوريا أو لبنانيا؟

وأتذكر أن كاتبنا الكبير محمود المسعودي سُئل ذات مرة عن الأدب التونسي فقال:

ـ :«الجواب الصحيح عن سؤالك.... أسألك بدوري هل في إنتاجنا التونسي ما يثبت وجود الأدب التونسي؟ وما هو؟ وعلى ذلك فإني أودّ شخصيا ألاّ يكون لنا أدب تونسي في المعنى الضيق كما يتصوره الناس.. عامة.. بل أتمنّى ألاّ يكون الا أدبا يكون فرعا من الأدب العربي عامة... ويكون ضمنه شعبة من الأدب العالمي.