الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات


نقاط وحروف
الإرهاب الدّيني بين فيلم «ولدي» وشريط «فتوى»

من عمق الفن إلى سطح الإيديولوجيا


بقلم: كمال الشيحاوي

لم تكن تونس البلد العربي الأقلّ أو الأكثر تضرّرا من الإرهاب الأصولي ولكنّها من البلدان التي اهتم عدد من مخرجيها السينمائيين بهذه الظاهرة منذ أن كانت في بداياتها الأولى. نتذكّر في هذا السياق شريط رائد موجة سينما الثمانينات «النوري بوزيد» «صفائح من ذهب» انتاج سنة 1992 وقد أرخ الفيلم للدور التخريبي للسلطة الحاكمة التي ساعدت التيار الإخواني المتطرّف على البروز في الساحة الاجتماعية والسياسية لكسر قوّة اليسار المعارض وتحطيمه من الداخل. بعد شريط «صفائح من ذهب» تتالت الأفلام التي تناولت هذه الظاهرة فكان شريط «دار الناس»لمخرجه «محمد دمق» الذي عرض في بداية سنة 2004 عن نصّ للصحفي الراحل محمد محفوظ وقد بدت الشخصيات المجسّمة للتيار الأصولي في أحداث الفيلم التي تعود إلى أواسط الثمانينات متجهّمة، تبالغ في الحزم والتشدّد خصوصا تجاه النساء ولا تخلو من خبث في الأساليب التي تعتمدها لاستقطاب الشبان. وكان للمخرج «علي العبيدي» نصيبه أيضا في فيلم «اللّمبارة» حين قدّم شخصية «سلفي متشدّد» في هيأة مجرم مسعور، يسعى إلى قتل أخته التي كانت منشغلة بالتدرّب على الرقص وترديد إحدى أغاني «أبي القاسم الشابي» التي يتغنى بها بحبّ تونس.

وان تواجدت الشخصيات المتشدّدة في عدد من الأفلام التونسية الطويلة والقصيرة بدرجات متفاوتة نذكر منها شريط «شاق واق، فيلم حلال» القصير لمخرجه «نصر الدّين السهيلي» بنبرته الكوميدية الساخرة إلاّ أن العودة القوية لطرح هذا الموضوع سينمائيا كانت مع شريط «آخر فيلم» للنوري بوزيد وبطله «بهتة» (فاز بالتانيت الذهبي لدورة قرطاج السينمائية لسنة 2006) وقد أظهر الفيلم الطرق الجديدة التي صارت تعتمدها الجماعات المتطرّفة في انتداب الشباب ومن ذلك «بهتة»، قام بالدور «لطفي العبدلي» وصوّر الفيلم ببراعة كيف تمّ وضعه في شبه معتقل وغسل دماغه بصور وكتب وفيديوهات تكرّس نزعات التطرّف مستغلّين في ذلك رغبته ـ باعتباره مراهقا ـ في البروز والشهرة.

ويمكن القول أن تطوّرا هاما حدث في السينما التونسية في مقاربتها لظاهرة الإرهاب برز حسب تقديرنا في بعض الأفلام التي ظهرت بعد الثورة ومنها شريط «على حلّة عيني» لليلى بوزيد و«نحبك هادي» و«ولدي» لمحمد بن عطية ويكمن هذا التطوّر في محاولة هذا الجيل التخلّص من المقاربة الإيديولوجية بـ«كليشيهاتها» ورؤاها النمطية الجاهزة والابتعاد عن النظرة الخارجية للظاهرة إلى البحث في بنيتها العميقة في ثقافتنا وفي صميم التربية ومنظومة القيم والسلوكات التي نعيشها. ففي شريط «على حلّة عيني» كشفت المخرجة أن التسلّط الذي يشكّل البيئة الدّاعمة للتطرف لا يمارس من قبل الأمن المناهض للحريات العامة فقط وإنما يكمن أيضا في بنية الخوف والمنع التي تشجّع عليها الثقافة الرجالية السائدة وهي بنية كامنة لدى الرجال والنساء أيضا. وهي ذات المقاربة التي دافع عنها «محمد بن عطية» في فيلمه«نحبك هادي» (توج في مهرجان برلين السينمائي). فلم تكن الأمّ/ المتسلّطة، قامت بالدور «صباح بوزويته» في الفيلم سوى الوجه العائلي/الثقافي/السلوكي لبنية التسلّط والقهر والهيمنة التي يعاني منها المجتمع التونسي في مختلف جوانب حياته الاجتماعية والسياسية.. ويتعمّق التفكير في هذا الموضوع سينمائيا في شريط «ولدي» الذي شارك في المسابقة الرسمية لأيام قرطاج السينمائية والذي نعتبره استكمالا لفيلم «نحبك هادي» من هذه الناحية.. فلم يكشف الفيلم عن مظاهر تآكل الطبقة الوسطى ماديا والتي تجاهد يوميا من أجل تحقيق الحدّ الأدنى من الحياة الاجتماعية الكريمة (يستعمل الأب تذاكر الأكل التي تمنح له لشراء احتياجات عائلته ويضطرّ لإرشاء عون المرور حين يكتشف أنّه لم يدفع بعد معلوم تأمين سيارته الشعبية...) وإنما كشفت أيضا عن بعض مظاهر بؤسها العاطفي والنفسي، فالأم التي تعمل أستاذة تبدو حزينة، غير راضية عاطفيا وجنسيا، مستسلمة لحياة زوجية رتيبة وباردة ولا يختلف الأب عنها في ما يظهره من عناية مبالغ فيها بابنه بحيث يبدو ذلك الكم العاطفي الهائل تجاه الولد وكأنه تعويض عن هذا النقص الفادح الذي يعلنه صراحة لإحدى زميلاته في العمل (قامت بالدور «إيمان الشريف») وهو يحدّثها عن برود علاقته بزوجته وانتهاء كلّ علاقة حميمة بينهما. لقد تكوّنت التعبيرية الجمالية في فيلم «ولدي» من رثاثة الشخصيات وملامحها الكئيبة (خصوصا الأب والأم) ولون الأماكن الباهت خصوصا في المنزل العائلي. وبقدر ما يبدو خبر التحاق الابن بجماعات الإرهاب في سوريا مفاجئا للوالدين كما لجمهور الفيلم على اعتبار أن الابن قد حظي بكل مظاهر العناية والمحبّة والاهتمام إلا أن هذا الاختيار في تقديرنا كان صائبا وذكيا من قبل المخرج لا لأن الواقع يؤكّد التحاق شباب من المتميّزين في مجالات عملهم (طب، هندسة، فنّ «راب»...) ومن عائلات ميسورة مادّيا فحسب وإنما لأنّ هناك جوانب هامة في الحياة والتربية كثيرا ما نتناساها ونغفل عن خطورتها. وفي فيلم «ولدي» نجد بعض عناصر الإجابة. فالشاب لم يكن يستبطن شعورا بالأسى تجاه والديه المتعبين مادّيا فقط وإنما كان حزينا ومكتئبا أيضا بسبب حزنهما الذي يراه يوميا في وجهيهما (لم يحدث أن شاهد مظاهر فرح وسعادة ومتعة، لم يلحظ بعض مظاهر السعادة الزوجية، بعض مظاهر اهتمامهما بنفسيهما، لقد نذرا حياتهما له وكأنهما ماتا أو لم تعد لهما حياة تخصّهما) وبالإضافة إلى ذلك فإن الولد كمّا عبّر عن ذلك في الحلم الذي جمعه بوالده لم يكن يريد أن يكون مستقبله شبيها بوالديه، لقد كان في حاجة إلى أحلام أكبر ويوطوبيا أعظم وقد وجدها مع الأسف في يوطوبيا التنظيم الإرهابي «داعش» وهذا أمر على درجة كبيرة من الأهمية.

وبقدر ما أخذنا مخرج شريط «ولدي» لتدبّر مقاربات ورؤى أخرى أكثر جمالية وعمقا في النظر لظاهرة التشدّد والإرهاب عاد بنا «محمود بن محمود» في شريطه «فتوى» الحائز على التانيت الذهبي لدورة هذه السنة من أيام قرطاج السينمائية لترديد ذات الكليشيهات وأنماط التفكير والمقاربة الإيديولوجية والسياسية التي طالما استهلكتها السينما التجارية والتلفزيون بل وبلاتوهات القنوات التلفزية. لن نناقش «محمود بن محمود» فنّيا فهو مخرج متمكّن ويسيطر تقنيا على صنعة الفيلم (نتذكر أعماله «عبور»، «شيشخان»، «قوايل الرمان« و«الأستاذ») (مع أنّ استخدامه التحقيق في حادث موت الإبن المستراب لإعادة بناء الأحداث ولملمة ملامح شخصيته ليس جديدا) ولكن ما نعيبه هو النزعة التبسيطية والإيديولوجية والطموح لتقديم رؤية ملتزمة إيديولوجيا بنبرة مدرسية موجّهة. فماذا أضاف لنا عن معرفتنا المتداولة وعن الرواية السائدة لظروف ظهور الإرهاب وطرق انتدابه للشباب في تونس خلال سنة 2013. تقريبا، لا شيء.

إننا بين «محمود بن محمود» المقيم في «بلجيكا» و«محمد بن عطية»، أمام جيلين وحساسيتين إيديولوجيا وجماليا، جيل السبعينات برؤاه الإيديولوجية الصارمة والمنمّطة وجيل جديد لم يعد يقنع بالتفسيرات الجاهزة والبسيطة ويريد أن يفكّر جماليا على نحو مغاير. ولعلّ ذلك أحد عناصر ثراء السينما التونسية.