الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات



على وزن الريشة

روني الطرابلسي التونسي اليهودي...وزير السياحة؟


بقلم: حسن بن عثمان

من المؤكد أن التقرّب من الدولة الإسرائيلية من قبل الأنظمة العربية لا ينقذ تلك الأنظمة من مصيرها الحتمي المشؤوم، وذلك ما حدث في تونس مع نظام الرئيس زين العابدين بن علي، وغيره من الأنظمة العربية مثل نظام حسني مبارك في مصر، وما حدث من اعتراف بدولة إسرائيل والتطبيع معها على المستويات الرسمية الخفيّة. بل إن الرئيس الإخواني محمد مرسي العياط بعد الثورة المصرية، لقي نفس مصير من سبقه، مع أن الرئيس الإخواني سعى جاهدا للتقرّب من الدولة العبرية في الربيع العربي العبري، بعد الثورة المصرية وفوضى الربيع العربي، في «صفقة القرن» وتعميق التطبيع العربي مع الدولة العبرية، وذلك لم يشفع للرئيس المصري الذي تصوّر أن إسرائيل يمكن أن تحمي نظامه الإخواني وإسلامه السياسي وأن تحول دون الإيقاع به وتنحيته من السلطة في مصر وزجّه في السجن مع غيره من إخوانه القادة التاريخيين في التنظيم الدولي للإخوان المسلمين في مصر.

ويبدو أن السبب الجوهري في فشل كل أنواع التطبيع العربي مع دولة إسرائيل يعود بالأساس إلى أن ذلك التطبيع يحدث في الغرف المغلقة وتحت الطاولة وبين الجهات الرسمية والسلطة المستبدة في غياب تام للشعوب العربية ورأيها الحاسم في هذا الموضوع الوجودي الذي يهمّ مصيرها ومستقبلها، فضلا عن ثقافة الشحن الإعلامي العربي الرسمي والشعبي وشيطنة إسرائيل بصفتها دولة استعمار عنصري فظيع بلا شفقة ولا رحمة ولا إنسانية في سلوكها الغاصب لإنسانية الإنسان الفلسطيني.

 

يعود موضوع التطبيع مع إسرائيل في كل المراحل والمنعطفات العربية والدولية، ويظلّ يعود دائما بأكثر الصيغ العاتية التي تدعو إلى الحيرة مع ما يرافقها من مزيد التخبّط في معالجة الموضوع المصيري في غياب الشعوب العربية المعنية بتقرير مصيرها في الحرب أو في السلم... حيث صارت العلاقة مع الدولة الصهيونية معلّقة في منطقة «اللا حرب واللا سلم».

تلك المنطقة الغامضة الغبيّة التي تسمح للأردياء من السياسيين، الفاقدين للرؤية والبوصلة والشجاعة والزعامة الوطنية، بممارسة أساليبهم البائسة في اقتناص الفرص والتلاعب بالمشاعر الوطنية لسدّ فجوات سياستهم الاعتباطية وارتجالهم في لا حربهم ولا سلمهم، وعشقهم للصفقات المريبة واختلاس الظروف من أجل بقائهم في السلطة والحكم، فقط لا غير.

أما في تونس الثورة، الثورة التونسية التي استولت عليها حركة النهضة وصارت الناطقة بإسمها وهي عنوان مسيرتها ومصيرها، كما تدّعي، فقد شهدت البلاد حريّة تعبير فوضوية تتفادى مثل هذه المواضيع المصيرية، على غرار موضوع التطبيع مع إسرائيل وتشريك الشعب التونسي في التفكير وإبداء الرأي فيه، لأنه موضوع هام جدّا، وجودي ومصيري وحاسم في حاضر البلاد ومستقبلها.

يحدث ذلك رغم ما نعيش فيه من أسلوب حكم ديمقراطي مسيطر عليه سيطرة أفظع من أسلوب الحكم الدكتاتوري، وإعلامه الموجّه.

 

المتحكّمون في الحياة السياسية التونسية الراهنة يتصوّرون أنهم من أصحاب المكر والخديعة ويتصوّرون أنهم دهاة السياسة، ويتصوّرون الشعب التونسي شعبا غبيّا أحمق بلا عقل ولا ضمير ولا إنسانية، ولذلك فهم يتعاملون معه بطريقة الغشّ والدس والاحتقار والخطاب المزدوج في حكم الأخ الأكبر الشيخ راشد الغنوشي، يُشعل له الشمعة، ويسكب له دمعة الشيخ الباجي قايد السبسي.

أما السيد رئيس الحكومة يوسف الشاهد فهو يفعل ما في وسعه المعرفي والسياسي لينتصر على الشيخين، ويضعهما في واجهة التسديد ومواجهة ما يتكتّمان عنه من ولائهما لدولة إسرائيل والتنافس في خطب ودّها ورضاها.

 

لذلك فإن تعيين السيد روني الطرابلسي، التونسي اليهودي، وزيرا في حكومة الشاهد في حقيبة السياحة يتنزّل تماما في أساليب الأنظمة العربية في الترقيع ومحاولة ستر عورتها البشعة، خصوصا وأن المواطن التونسي روني الطرابلسي، اليهودي الديانة، هو من اليهودية السياسية، الصهيونية، التي تعتقد في أن الدين اليهودي لا بد أن تكون له دولة على أرض فلسطين، كما يؤمن السيد روني الطرابلسي بأن القدس عاصمة دولة إسرائيل، حسبما جاء في الأخبار المتداولة التي لم يقع تكذيبها.

روني الطرابلسي مواطن تونسي أبا عن جدّ من عمق السلالة اليهودية الضاربة الجذور في البلاد التونسية والتاريخ المشترك، ذلك لا شك فيه، ومما لا شك فيه أيضا أنه ينتمي لليهودية السياسية ولا ينافق مثل نفاق الإسلام السياسي، فهو واضح ومعلن الانتماء الوطني والديني والانتماء لبني إسرائيل ودولة إسرائيل، مهبط الوحي الموسوي.

روني الطرابلسي تونسي يهودي إسرائيلي صهيوني، ولا يشكّل له ذلك تناقضا في الولاء الوطني المزدوج، مثلما لا تشكّل الجنسية المزدوجة لبعض السياسيين التونسيين الذين يحملون جنسيتين أو أكثر ويدينون بولاءين وعهدين أو أكثر...

والسيد روني الطرابلسي قابلته ذات مرّة في لقاء ثقافي وكان البِشْرُ يعلو وجهه ويتكلّم بسماحة، فضلا عن رشاقته في السلام والكلام.

حتّى لا يتهمني أحد بمعاداتي للسامية ونكران السموّ في العلاقات البشرية.

 

مثلما هناك إسلام سياسي ثمة يهودية سياسية ومسيحية سياسية، والأديان التوحيدية الكبيرة تعرف دائما كيف تنخرط في السياسة وإدارة الشأن العام واستنزاف المخزون الروحي والضميري للأديان... وهذه مسألة يطول شرحها، ويعرفها كل المتمرّسين بالسياسية وباستخدام الأديان والأخلاق والضمائر والمشاعر في السياسة والقيادة...

كأنّ البشرية تعود بقوّة مجدّدا لاستخدام المقدس في المدنس واعتداء الأرض على السماء والتضحية بالإنسان في سبيل رسالة الإيمان بالواحد الأحد المفارق، الذي ينطق به الزعماء والساسة ورؤساء الحكومات ويفرّقون بين المواطنين من الكائنات البشرية حسب معتقداتهم الجماعية والفردية.

كأنّ البشرية لم تتعظ طيلة تاريخها بحروبها الدموية المتناسلة من أجل إبادة المختلفين الدينيين والدنويين، بعد فسحة من أشواق حقوق الإنسان، إثر الحربين العالميتين العنصريتين واكتشاف أن العيش المشترك هو مصير الإنسانية بقطع النظر عن معتقداتها الدينية والعرقية والجنسية وجنون العظمة والتفوّق. وانبثاق الفرد الذي سُمح له بفردانيته غير المسحوقة في الجماعة.

الإنسان خليفة الله في الأرض بصفته الفردية وليس بصفته ينتمي لسياق من السياقات أو سردية من السرديات أو تاريخ أعمى، معمّى.

 

يقول شاعرنا العربي السوري أدونيس الذي صرّح أنه ينتمي للثورة التونسية بصفتها ثورة ديمقراطية بلا مثيل في الدنيا، يقول في قصيدة له حول الوقت:

ـ إنني أبحث عن اسم

ولا شيء يُسَمَّى

زمن أعمى وتاريخ مُعَمَّى

زمن طمي وتاريخ حُطامْ

والذي يَمْلِكُ مَمْلُوكٌ

فسبحانك يا هذا الظّلاَمْ

 

مع أهل السياسة الجدد في تونس، الذين يتصوّرون أنفسهم من الخبثاء أو الدهاة، غير الهداة، وهم في داهية، علينا دائما أن نذكّرهم بأن خبثهم تافه وعابر وسخيف، ونتائجه دائما عقيمة وكارثية، وهو خبث يدمّر أصحابه قبل تدمير الآخرين، مع ما يصاحبه من إهدار الوقت في الإفلاس المعنوي والمادي، والبَلَادَةُ تخيّمُ على البلاد التي مازالت تعيش في وقت الخلسة، وكل شيء يباع خلسة بشكل علني، تقريبا؟.

وشاءت السياسة في تونس أن تنتخب الوزير روني الطرابلسي لوزارة السياحة التونسية المريضة، لعلّه يشفيها من أعطابها ومن انسداد أفاقها، علما أن السياحة التونسية صارت عندها سياحة «حلال» وسياحة «حرام»، ونُزُلٌ وفنادق كأنها مساجد تقتضي الوضوء والطهارة وممارسة الصلاة وفق طقوس الإخوان المسلمين والسنّة، في انتظار المسلمين الشيعة وطقوس السواد والدولة الإسلامية الغنوشية، على وزن الدولة السعودية الوهابية، فالغنوشي هو عبد وهاب آخر، في شعاب غير مكيّة.

 

روني الطرابلسي أخونا في الوطن، وهو من شباب الثورة ومن مواهبها، وقلبه ينبض على تونس مثلما ينبض على إيقاع اليهودية الموسوية، وذلك مطلق حقّه.

أما البلاد التونسية فقد عرفت أخوة لنا يهود هم مواطنون من الديانة الإسرائيلية، بني إسرائيل، وكان التوانسة اليهود يحملون تونس في قلبهم النابض مهما كان مقامهم أو إقامتهم، فتونس تجري دائما في دمائهم وعروقهم وولاؤهم مطلق لها، بطريقتهم المخصوصة في الولاء.

روني الطرابلس يذكّر في مثل هذه الأوقات بسيّد الأسياد «جورج عدّة»، رحمه الله، الزعيم التونسي التقدمي، أصله تونسي يهودي، وانتماؤه للإنسان، ناهض دولة إسرائيل وكان ضديدا للصهيونية الإسرائيلية، وكان حكيما تونسيا هو الوحيد الذي وجّه رسالة للرئيس زين العابدين بن علي يحتجُّ فيها على معاملة الرئيس الحبيب بورقيبة زعيم دولة الاستقلال، معاملة مهينة، بعد الإطاحة به في السابع من نوفبمر.

ماذا أقول لكم عن جورج عدّة وهو صالح مصلح من التونسيين يشبه في صلاحه الولي الصالح سيدي محرز، سلطان المدينة.

 

في مقال للسينمائي والكاتب الفلسطيني نصري حجّاج بموقع «العربي الجديد» في 16 سبتمبر 2016، جاء ما نصّه:

ـ عندما كنت أبحث وأكتب سيناريو لفيلمي الذي دفن، نتيجة الجهل والخوف، في أدراج وزارة الثقافة الفلسطينية، وهو في طور الإعداد حول الفلسطينيين اليهود، تحدثت مع جورج عن المشروع. ومنذ الكلمات الأولى التي نطقتها بشأن عنوان الفيلم «اليهود الفلسطينيون»، أوقفني جورج عدّة عن الكلام، وأعطاني محاضرة تلخّص كل أفكاره حول الإشكالية التي كانت موضع جدل واسع، لم ينته بعد في أوساط المثقفين والكتاب العرب اليهود داخل إسرائيل، والتي تتعلق بهوية العرب اليهود. قال لي جورج: نحن نبدأ بالهوية الوطنية وليس الدينية. عليك أن تغيّر العنوان إلى «الفلسطينيون اليهود». كان درساً لا أنساه، فقد كان جورج لا يرتاح لتعريفه يهودياً تونسياً، فقد ولد، كما قال لي، مصادفةً لعائلة تعتنق الديانة اليهودية، لكنه تونسي مائة بالمائة، وأممي مائة بالمائة، ومناهض للصهيونية مائة بالمائة، ومحب لفلسطين وشعب فلسطين، إلى أن هرم، ثم قضى، وهو على هذا الحب.

لم يوافق جورج عدّة، كما قال لي، على اتفاق أوسلو، ولا على اعتراف منظمة التحرير الفلسطينية بإسرائيل، لكنه أكد أنه لا يستطيع إلّا أن يكون مع الفلسطينيين، في خياراتهم الصعبة، وهو لا يعتبر نفسه وصيّاً على ما يرونه من سياسات. وعلى الرغم من رغبته الجامحة في زيارة فلسطين التي اعتبر قضيتها في قلب كل القضايا العادلة في الكون، فقد كان يرفض زيارتها إذا كان الأمر يعني اعترافاً بشرعية الاحتلال، وتكريساً لوجود الدولة التي قامت على الفكرة الصهيونية التي قاومها كل حياته، في المؤتمرات الدولية المناهضة للصهيونية، مع لفيفٍ من المفكرين الأوروبيين، وغيرهم المنحدرين مثله مصادفةً من عائلات يهودية. كان جورج عدّة شيوعياً حقيقياً، بدأ عضواً في الحزب الشيوعي التونسي، وقائداً له، وإن كانت شيوعيته تتجاوز في رؤيتها الثورية حزبه والأحزاب الشيوعية كافة.

انتهى الاستشهاد من مقال نصري حجّاج.

 

جورج عدّة شخصية وطنية تونسية رائعة فذّة، على البلاد التونسية أن تفخر بها، وتحيي أفكارها وتحيي رؤاها، سواء في السياحة أو في الثقافة أو في السياسة العابرة في أشخاص عابرين، واليهودية مثل المسيحية مثل الإسلام فيها أسماء حاولت أن تتجاوز عرقيتها وقوميتها وغيتواتها/ حارتها/ وانغلاقها، وأن تكون في مطلق طموح الإنسان المتصالح مع السماء ومع الأرض وما بينهما من شرائع.

ذلك حتّى لا يتحيّل علينا المتحيّلون في موضوع خطير مصيري لنا وللآخرين في هذه البلاد الصغيرة في حجمها، العظيمة بذاكرتها... ذاكرتها المريضة... يا للأسف.

ولعلّ لنا عودة لهذا الموضوع الذي سألنا فيه أحد رموز العمل العربي المشترك الأستاذ الشاذلي القليبي، أمين عام جامعة الدول العربية إثر توقيع معاهدة كامب دافيد، في جلسة خاصة معه صبيحة يوم الاثنين 12/11/2018

حتّى لا يكون روني الطرابلسي وزير سياحة... بلا سياحة ولا بوصلة ولا دليل في حكومة حمقاء تحرسها النهضة التي لا تعرف للنهوض سبيلا، رغم هذا النوع من المخادعات التي يتعمّدها الإسلام السياسي الحاكم في تكرار منحط لأنظمة عربية سبقته، لم تحقق شيئا سوى الانهيار الديني والقومي والوطني المتتابع وسوء العيش؟