الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات



تلوينات

لماذا لا يبدي المثقف موقفا من الخطاب السياسي الراهن؟


تبدو النخب التونسية المثقفة خلال هذه المرحلة التاريخية الفارقة التي تعيش بلادنا على إيقاعها الفئة الغائبة والمغيبة، وإذ لا نشك في أنها فئة مهمشة ومهملة ومقصية ومحصورة في ركن ضيق تحت إشراف وزارة الثقافة فإنها تتحمل في الحقيقة المسؤولية الكبرى في هذه الوضعية التي تعيشها لأنها اختارت من تلقاء نفسها الخنوع والخضوع من خلال الانكماش داخل أجناسها الأدبية والفنية وتياراتها الفكرية بمعزل عن الحياة العامة.

وكان من الأسس الأولى لمن يختار أن يكون مثقفا الوعي برسالته ودوره في الحياة والمجتمع. وهذا ما نتبيّنه في أعمال وسير كبار الشخصيات الثقافية محليا وإقليميا وعالميا، وإذا انعدم زمنها ونظيرها فيمكن أن تتظافر في أدنى الظروف جهود مجموعة من المثقفين عبر الهياكل الجمعياتية لتكريس مثل ذلك الوعي، لكن هذا لم يقع إلى الآن للأسف الأمر الذي يتطلب تذكيرا ودفعا للنخب المثقفة في هذا الاتجاه. ولا نغفل في هذا الصدد عن استحضار بعض البيانات التي صدرت في فترات متباعدة من أجل الدفاع عن نمط المجتمع التونسي من قبل بعض النخب الجامعية والثقافية الرافضة للتطرف والتوظيف السياسي للدين.

لقد مر حدث جلسة المصادقة على التحوير الوزاري الجزئي بالبرلمان مرّ الكرام على المثقفين، والحال أن الخطاب السياسي هو بلا شك جزء من الخطاب الثقافي بصورة عامة، فقد تطرق مثلا السيد رئيس الحكومة إلى مختلف القطاعات تشخيصا ومنشودا إصلاحيا بها في قادم الأيام ولكنه لم يعرّج على الثقافة ولم يستحضر العناية الحكومية بالمثقفين. وقد لا نحمله المسؤولية لأنه ليس مرفودا بمستشار ثقافي أولا ثم لأن السيد وزير الثقافة لم يقم بواجبه من تذكير رئيسه بوجوب تأكيد مراهنة الدولة على نخبها المثقفة والمبدعة.

الغريب أن تونس الراهنة ليست واعية بأن ثروتها الوطنية تتمثل أساسا في مواردها البشرية فكان أحرى بالخطاب السياسي في هذه المرحلة ألا يهمل في عناصره هذه الجزئية المهمة. قبل الثورة كان المثقفون يقرؤون الخطاب السياسي فبعضهم يثمنه وبعضهم الآخر ينقده، أما اليوم وفي عصر الحريات فقد استقال المثقفون من الحياة العامة تاركين الفضاء العام لسياسيين هواة ولمعلقين من شباب الأنترنات أو من المنتمين لقطاعات غير ثقافية.

وسوف لن نلقي باللائمة على السياسيين الذين لا ينمون عقولهم ووجدانهم بالمواد الإبداعية وبالأفكار الجديدة ونتائج الأبحاث العلمية لأن صلتهم مقطوعة بالكتاب ولأنهم في الدرك الأسفل من عالم الفكر.

ومن منطلق القناعة بأنه لا إقصاء إلا لمن أقصى نفسه فقد آن للكتاب والمفكرين في تونس أن يترجلوا اليوم -خاصة أن بلادهم بصدد الانحدار نحو الحضيض - عن حصان الخنوع والاستكانة وأن يركبوا صهوة الشجاعة الفكرية وأن يشقوا طريق المشاركة النقدية البناءة في قراءة الخطاب السياسي الراهن والمشاركة في تنميته وإثرائه وتطويره بالنقد والإضافات المبتكرة.

ولا شك في أن الخطاب الثقافي أوسع وأدق من الخطاب السياسي وهو الإطار المرجعي له، فالمثقف هو سيد اللغة والفكر أما السياسي فإنه ملحق به، لكن أن يحتل مكانة المثقف فلهذا الأمر تفسير وحيد ألا وهو تقهقر المثقف وتردي أحواله وانحساره في دنيا التهويمات والغموض وانكماشه في عالم الخيال وفي برجه العاجي.

وما على المثقف في هذه المرحلة الوطنية الحرجة إلا أن يتحلى بالوعي الحضاري الحاد حتى يُسهم من موقعه الفكري المتقدم في تحويل جمود الخطاب السياسي وماديته وأرقامه إلى وهج حقيقي وإضاءة تستحضر الواقع في حقيقته وتنميه بالتفاعل مع القيم الدافعة للتطور ومع الأخلاق الضامنة للاستقرار والتكاتف الاجتماعي بعيدا عن الأنانيات الحزبية وعن معادلة المصالح الشخصية ومكر السياسة، حتى لا يبقى الخطاب السياسي التونسي رهينة في أيدي من يتلاعبون به في ظل إقصاء المثقفين وتهميش دورهم في التنمية السياسية وهي مجالهم الحيوي.

 


منصور