الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات


نقاط وحروف
إصلاح مؤسسات الإعلام العمومي:

بعض المغالطات والأكاذيب الرائجة


بقلم: كمال الشيحاوي

ثمّة شبه إجماع اليوم على ضرورة استكمال مشاريع إصلاح المؤسسات العمومية في مجالات خدماتية أساسية (التعليم والصحة والبنية التحتية ودعم المواد الأساسية) و قطاعات حيوية مختلفة من الاقتصاد الوطني. وهذا الاتفاق الحاصل على أهمية هذا الإصلاح وجدواه بين مختلف الأطراف الاقتصادية والاجتماعية لم يمنع استمرار نقاش جدّي حول إستراتيجية هذا الإصلاح وأهدافه ومناهجه ولا الاختلاف المتواصل حول المؤسسات التي ينبغي التفويت فيها بالكامل والمؤسسات التي تحتاج إلى إصلاحات هيكلية تعيد لها توازناتها المالية وتدعم قدرتها التنافسية وذلك في إطار حوكمة شفافة وتدقيق أمين في وضعيتها المالية وإمكانياتها الترويجية محليا ودوليا.

وبالنظر إلى مختلف التصريحات الرسمية لممثلي الحكومة وقيادات اتحاد الشغل لا نكاد نلاحظ اختلافا جوهريا في التوجهّات العامة فقد أكّد رئيس الحكومة «يوسف الشاهد» في ندوة دولية كان عنوانها «المؤسسات العمومية: الواقع والتحدّيات والآفاق» انتظمت يوم 03 ماي الفارط في تونس أنّ إقرار إصلاح المؤسسات العمومية لا يعني بالمرة التخلي عنها والاستغناء عن دورها، وأبرز في كلمته التي تناقلتها مختلف وسائل الإعلام الوطنية أنّ أهمية وزن هذه المؤسسات على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي تدعو إلى العمل على ضرورة إنقاذها وإعادة هيكلتها لضمان ديمومتها ومواصلة اضطلاعها بدورها في إطار النجاعة والمردودية لتصبح عامل إشعاع وقاطرة لبعث وتطوير مشاريع أخرى متصلة بأنشطتها في مختلف أنحاء البلاد.وأضاف أنّ الحكومة اعتمدت في إعداد إستراتيجية تطوير وحوكمة المؤسسات العمومية على مبدإ التشاركية بين كل الأطراف المتدخلة، وبيّن أن هذه الإصلاحات مست مستوى الحوكمة العامة والحوكمة الداخلية والموارد البشرية والحوار الاجتماعي والمستوى المالي وانبنت الإستراتيجية على معالجة وضعية المنشآت العمومية حالة بحالة وقطاعا بقطاع وبشكل عملي. ورغم هذه النبرة المطمئنة في خطاب الحكومة فإن أمين عام اتحاد الشغل بقي متخوّفا وحذرا و لم يضيّع أية مناسبة من أجل تأكيد موقف الاتحاد الحريص على الدّفاع عن مصالح منظوريه والوقوف بقوّة ضدّ كلّ عمليات التفويت التي يمكن أن تطال مؤسسات عمومية قادرة على أن تستعيد عافيتها الاقتصادية بحوكمتها وإصلاحها وقد تحدّى الحكومة أكثر من مرّة في أن تنشر قائمة المؤسسات الاقتصادية التي تنوي التفويت فيها.

وممّا زاد في حيرة التونسيين هذه الأيام التصعيد الذي ميّز تدخّلات الأمين العام وعدد من قيادات الاتحاد في علاقة بحكومة الشاهد وبـ«يوسف الشاهد» تحديدا حيث صارت المطالبة بتنحيته صريحة جدّا. ولا نظنّ أن هكذا مناخ من التوتّر والأزمة السياسية المستفحلة ومع حكومة تعاني من ضعف إسنادها السياسي والاجتماعي خاصّة يمكن أن يشكّل إطارا ملائما لبرنامج الإصلاح. وبإمكاننا أن نعطي مثالا حيّا لهذا المناخ من خلال ما يجري من جدل وسجال هذه الأيام في مختلف مؤسسات الإعلام العمومي التي يجري الاستعداد لهيكلتها وتطهيرها وإصلاحها. فالطرف الحكومي يركّز في الغالب على أن من أسباب عجز هذه المؤسسات هو فائض الموظّفين فيها الذي يتسبّب في ذهاب كلّ موازنتها المالية لتغطية رواتب الموظّفين وما يتصل بالجوانب الاجتماعية الخاصة بهم. وهو غالبا ما يحتاج لسياسة التسريح التي أقرّها ضعف أداء عدد كبير من العاملين في هذه المؤسسات فضلا عن انعدام الانتاجية لدى عدد منهم ممّن صار متغيّبا بالكامل عن مقرّ العمل. وظاهريا يبدو هذا التحليل سليما خصوصا إذا اقترن بتكرار تلك اللاّزمة الشهيرة الخاصّة بضعف «ثقافة العمل» وإهدار المال العام. وما ينبغي استدراكه وتوضيحه في هذا السجال أن ما يعتبر أسبابا للأزمة هو في الحقيقة التاريخية والواقعية نتيجة لها. فما أوصل إلى ضعف الأداء وعدم نجاعته (يستوي في ذلك من يعمل ومن لا يعمل طالما أن النتيجة ذاتها) وتغيّب عدد من العاملين هو ضعف الحوكمة وغياب الإدارة الحكيمة للموارد البشرية وللطاقات الموجودة في أية مؤسسة إعلامية، ويعود ذلك هيكليا للأسلوب الذي كان قائما ببيروقراطيته وعقلية «رزق البيليك» وخضوع مؤسسات الإعلام العمومية للخط التحريري «الدعائي» الرسمي خلال عقود قبل الثورة وتوزيع المسؤوليات والأدوار في معظمها على أساس الولاء السياسي والجهوي أحيانا، كلّ ذلك مع كلّ ملفات الفساد المشبوهة، أوصلنا إلى هذه الحالة التي نحن عليها اليوم ومن مظاهرها وجود موظّفين يتمتّعون بامتيازات مصالح أقسام لا وجود فعلي لها. لذلك فإن عملية الإصلاح ينبغي أن تتمّ على أساس تحقيق وتدقيق موضوعي وأمين لحقيقة الأسباب التي أوصلتنا إلى الأزمة ومن بينها تأخر الحوكمة والاصلاح واعتماد البعد التنافسي في مؤسسات الإعلام العمومي بمختلف محاملها والذي كان السبب الهيكلي الرئيس في انحسار جمهورها في الصحافة المكتوبة في الإذاعة وفي التلفزة.

ومع هذا الوضوح المطلوب في تقاسم مسؤولية الأزمة والنظر إلى كلّ الأطراف على أنهم جزء من المشكل بقدر ما هم جزء من الحلّ أيضا ومع تحديد حجم مسؤولية كلّ طرف يمكن أن نصوغ إطار حوار لتنفيذ إصلاح لا نشتم منه روائح التشفي وتحميل الأزمة لمن لم يكن لهم سبب فيها بقدر ما نرى فيه خطابا واضحا ومطمئنا يشرح حقيقة ما تنوي هذه الحكومة أو غيرها القيام به في خصوص هذه المؤسسة أو تلك. فالأخبار التي تروّج عن غلق هذه الجريدة أو غلق تلك الإذاعة أو القناة باتت حديثا يوميا بين الصحافيين وهو مناخ غير مناسب ومثير للتشنّج في ظرف تحتاج فيه البلاد لدور تعديلي هام للإعلام العمومي في علاقته بالإعلام الخاص وإعلام المنتديات الاجتماعية المنفلت.