الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات


على وزن الريشة
في الذكرى الخامسة لاستشهاد الحاج محمد البراهمي

شهادة شاعر في كتابه: «سقوط في القمّة/ تونس زمن الإسلاميين»


بقلم: حسن بن عثمان

في الصغر وسنوات المثاليات والمراهقة تكون القراءة في كتابات السابقين للتعلّم، وفي الكبر، وقد اشتعل الرأس شيبا، أو صار الرأس أقرع من الشعر والمشاعر، تصبح القراءة في كتابات اللاحقين من أجل عدم نسيان جوهر الكتابة، فجوهر الكتابة هو الأصل الذي يدلّ على النسل، أما الجوهر فهو يكمن في الشهادة على الذات في التاريخ، وكُلِّ يقرأ كتابه باليمين أو باليسار وما دوّنت مسيرته في الحياة، هذا إذا كان القارئ يؤمن بالمكتوب على الجبين، وبأن الكتابة هي كتاب الوجود البشري يشترك فيه الأموات والأحياء، الأسلاف والأخلاف، ولا يكفّون عن كتابته إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وتكون القيامة ويكون الحساب الأخير العسير. فالكتابة مسألة غيبية دائما وأبدا، وأحيانا تكون مسألة غبيّة، أحيانا...

قراءة المجايلين وزملاء الكتابة مسألة فيها الكثير من التشويش نظرا للمعارف السابقة بالأجيال وحجاب المعاصرة، ولكنها لا تخلو من شغف ورغبة في التلصّص على حالة الأرواح المعنوية للكتّاب الذين يعيشون معنا في المرحلة ذاتها، المرحلة التي تتفنّن في إرهاقنا.

من الضرورة أن يقرأ المجايلون بعضهم البعض من أجل تحديد مواقعهم في الكتابة المعاصرة، فضلا عن الكتابة الراسخة وجوهر الموضوع. فقراءة المعاصرين مثل النظر في المرآة، تعيد لك صورتك وأطيافها ونضارتها وتجاعيدها الماضية والحاضرة.

صلب الموضوع:

هذه الديباجة لكي أخلص إلى كتاب جديد للشاعر والإعلامي نور الدين بالطيّب صدر سنة 2018 عن دار (آفاق ـ برسبكتيف للنشر بتونس/ سلسلة آفاق للجميع) وبتقديم صاحب الدار، عبد الجليل بوقرّة، لن أعتني بمقدمته هذه، ولا غيرها من المقدمات التي قدّمها في داره، ولا أذكر جودة النشر وشروط الطباعة في داره، ولكن ما يهمني هو نور الدين بالطيّب وكتابه الذي بعنوان: «سقوط في القمّة/ تونس زمن الإسلاميين» الذي صُنّف في باب «نصوص» من قبل الدار الناشرة، وأنا أميل لتصنيفه في باب شهادات حيّة لفاعلين ميدانيين في الساحة.

نور الدين بالطيّب فاعل في الساحة الثقافية والإعلامية منذ بداية التسعينات من القرن الماضي، وله في رصيده العديد من الكتب الشعرية والنثرية، وهو صحفي ميداني في أهمّ جريدة يومية تونسية «الشروق»، في مرحلة ما بعد جريدة الصباح التونسية اليومية، التي كانت الأولى قبل انبثاق «دار الأنوار» لمؤسسها صلاح الدين العامري، رحمه الله، الذي كان من ألمع محرري دار الصباح... وبادر بتأسيس صحافة التابلويد اليومية في الصحافة التونسية العصرية، وكان الكثير من أهل الساحة ينكرون عليه طريقته الجديدة في الصحافة المكتوبة، التي كلها إثارة وسباق خيول الصحافة وفرسانها؟

يجمعني بنور الدين بالطيّب الشعر في تونس وفي اللغة العربية وفي لغات العالم وأسماء الشعراء، ويجمعني به العمل الصحافي الثقافي ورئاسة الصفحات الثقافية، ويفرّقني عنه أنه أكثر تسيّسا منّي، فقد قرأ في الجامعة التونسية وانتمى في بداية شبابه لعلم الاجتماع وانتمى للعروبة الطلائعية التي تؤمن بالإنسان دون أن تفرّط في الانتماء للغة والدين والرجاء الوطني وواجبه وندائه... وأنا في السياسة صفر على الشمال والوسط واليمين وحسابات الربح والخسارة، كأني بلا قلب، لأني لا أؤمن بشيء من الأشياء إلا بالكتاب والكتابة والقراءة، والمكتوب على «الجبين لازم تشوف العين».

قريبا من صلب الموضوع:

حين أقرأ الكتاب الجديد للزميل نور الدين بالطيب «سقوط في القمّة/ تونس زمن الإسلاميين»، أقرؤه متثاقلا وأتوقف عند كل كلمة ونقطة وفاصلة، لأتبيّن كيف يكون السقوط في الكتابة أو في السياسة أو فيما يجمعهما من مبادئ وأخلاق ورئاسة؟ وكيف يستعمل الشاعر لغة الكتابة الصحفية التي ترغب في أن تنقذ نفسها من سرعة الموت وتسارع الأخبار، وتحاول التعلّق بخلود ما تنطوي عليه الأخبار، من أسرار ومن معلومات تظلّ دائما باقية، كلّما حاولنا تأليف الكتب واستنطاق الأخبار والإخبار عنها، ومعرفة ما حدث على المباشر من أحداث، دائما يلفّها النسيان وتنقذها الكتابة وعين الصحفي ورهافة الشاعر الشريرة، أو الخيّرة، سيّان...

أشرت أن نور الدين بالطيّب يفهم أكثر منّي في السياسة، وذلك صحيح إذا قصدنا بالسياسة مسائل الفصائل والأحزاب والإيديولوجيات واحتقانات الشباب التونسي الثائر الذي سمحت له ظروفه بالدراسة في الجامعة التونسية، وليس قصدنا «السياسة» بما هي إدارة الشأن العام والكياسة وكواليس مطابخ الكبار وما يحتفظون به من طعام الشعب الفقير إلى الطعام، إذا احتفظوا؟ والسياسة هي أيضا انعدام الكفاءة في التسيير والتبرير والتأويل وزرع الخراب... فذلك علم سياسي، أو فنّ، لا أعرفه أنا ولا يعرفه الزميل، الذي بقي صحفيا شاعرا منذ تعرفت عليه إلى اليوم ولم يقفز، ولم يتحوّل، ولم يبدّل سرجه الإعلامي بسرج السياسي على الميدان، رغم عمق فهمه للتيارات السياسية العميقة التي تشقّ باطن الأرض التونسية وسطحها، وتتمظهر في بهرج الحكم والرئاسة. وبالطيّب في ذلك ثعلب صحراوي ينام وعيناه مفتوحان، ابن مدينة دوز وضواحيها، عشيقته الأبدية في صحراء الحياة القاحلة وكل البلدان والمدن، أحيانا، يرويها الشاعر من مزاجه بما تيسّر أحيانا، وأحيانا أخرى، ويعرف ذلك الكاتب الصحراوي دائما ما تُنذر به الرياح وتقلبات الطقس والمناخ واللقاح. وأنا أتابعه في كتابه مثلما أتابعه في الحرث والحصاد، وأكون حذوه عن قرب، كلّما سنح الإعلام وسنحت الكتابة.

إذن، يورد نور الدين بالطيّب في كتابه نصوصا يدلي فيها بشهادته على ما حدث في البلاد، وهي شهادات تبدو منصفة، قليلة التنسيق بتواريخ كيفما اتفق، ولكنها غير متحيّزة، تعرف كيف تتوخّى الحذر، وتعرف في ذات الحين كيف تقرع ناقوس الخطر وتقتحم الميدان والرهان، رهان الكاتب الشاعر الإعلامي الناثر، أن يُنْثُر مسيرته وجسده كغبار في بلاد تحكمها النهضة منذ قيام الثورة التونسية، دون أدنى وجه حقّ، سواء الغلبة، واحتقارها للشعب التونسي المسالم وسلبه إرادته وكل ما راكمته دولة الاستقلال التونسية من مكاسب وطنية كان يستفيد منها عموم الشعب مباشرة، ورغم ذلك فإن الشعب ثار على النمط التونسي ومرحلة السابع من نوفمبر، التي صارت أضيق من آفاق الشعب التونسي وحلمه في الشغل والحرية والكرامة الوطنية، وتلك من أصداء الكتاب ونحاس إيقاعاته.

الكتابة في كتاب نور الدين بالطيب هي فرض عين للكتّاب، فرض كفاية للقرّاء، لمن اطلع وشاهد وله شهادة أدلي بها، وهو فرض كفاية إذا كان الكاتب جدير بوظيفته في الإخبار والكتابة، ويكفي قراءة نور الدين بالطيب في كتابه شبه الأدبي، شبه الصحفي، لنتعرّف على كتابة ترغب أن تكون شهادة وهي تتابع الشهداء وتتخلّق بأخلاق الشعراء الذين يرغبون في تخليد الشهادة بالكتابة عنها...

في الكتاب سؤال جوهري، مضمر، خطير، يدور حول أن الإسلام السياسي ممثلا في حركة النهضة قهر الإسلام السلفي التونسي ممثلا في أبي عياض وممثلا في الحبيب اللوز والصادق شورو، مثلا... ولا يتطرق الكتاب إلى فرضية انتصار الإسلام السياسي العالمي، ممثلا في حركة النهضة التونسية، على الحداثة التونسية بعدما انتصرت النهضة على القدامة والأسلاف، وانخرطت في علمانية متستّرة، أو محجّبة، أو لها خمار، وخمر يحرّمه الإخوان دون سند من القرآن؟

صحافة تخلّد الشهداء بلا تورّم الشعراء:

في كتاب الصحفي الشاعر نور الدين بالطيّب هناك حضور لمعلومات أساسية مهددة بالاندثار والفناء من فرط ما تعيشه البلاد التونسية، منذ ثماني سنوات متلاحقات، من أحداث متسلسلة متتابعة، خطيرة بصورة تنسي الواحدة في الأخرى، ومن هنا فإن فريضة الكتابة الغائبة يقوم بها أهل الكتابة والشهادة من أجل أن لا تكون دماء الشهداء هدرا وهذرا وهم، الشهداء، من كتبوا كتبهم بدمائهم، وصاروا أحياء عند ربّهم يرزقون.

يذكر نور الدين بالطيّب الشهداء الذين سقطوا في تونس خلال السنوات الثلاث من قيام الثورة، التي يحار في تسميتها، ويتوقف خصوصا عند رموز شهداء الوطن بعد انقضاء يوم أربعطاش، 14 جانفي 2011، وحلول المشاريع الدولية في البلاد التونسية الصغيرة الثائرة على بؤسها، يذكر الكتاب لطفي نقض، ويضع موته في إطاره السياسي والتاريخي، ويذكر بكل الإجلال ما أحياه استشهاد شكري بلعيد من أمل في نفوس الشباب التونسي، الذي تعرّف على زعيم وطني شاب يشبهه، فداه بروحه وحياته، ويتوقف نور الدين بالطيّب في كتابه عند اغتيال الشهيد الوطني القومي العربي الإسلامي الحاج محمد البراهمي، الذي قُتل برصاص غادر، وليس في مواجهة.

نعود إلى صلب الموضوع وصلب الشهادة:

يصادف اليوم الأربعاء 25 جويلية 2018 عيد الجمهورية التونسية الواحد والستين منذ 1957، ويصادف الذكرى الخامسة ليوم قتل الشهيد البراهمي.

كتب نور الدين بالطيّب في الصفحة 71 من كتاب «سقوط في القمّة/ تونس زمن الإسلاميين»، كتب التالي، حرفيا:

ـ ... لقد رفض الشهيد الناصري كلّ «مخططات التنظيم العالمي للإخوان المسلمين، المسرّبة أخيرا عن مؤتمرهم الطارئ في تركيا». كما أعلن أن «التيار الشعبي يقف إلى جانب ثورة الثلاثين من حزيران في مصر، ويحيي الدور الوطني للجيش المصري». واعتبر في مداخلاته العديدة التي كان آخرها في مدينة صفاقس قبل يوم من اغتياله. أعلن في العاصمة الثانية للبلاد التونسية أن «النهضة والإخوان المسلمين في العالم ليسوا إلا خدما للمشروع الإمبريالي الصهيوني الذين يهدف إلى تقسيم الوطن العربي إلى دويلات». مشدّدا في إحدى جلسات المجلس الوطني التأسيسي على أن «ثورة حزيران في مصر، التي انحاز لها الجيش، هي ثورة قادها أحفاد عبد الناصر ضدّ أحفاد الإخوان الذين حاربوا الزعيم الخالد، وحاربوا مشروعه وحاولوا اغتياله»:

نكتفي بهذه الفقرة من شهادة الزميل نور الدين بالطيب حتّى لا نسطو على كامل شهادته الخطيرة في كتابه ونصوصه وفصوصه وبعض التوقعات التي صحّت... أما «ما تبقى فيؤسسه الشعراء»، مثلما يقول المثل الشعري الألماني؟

رحم الله شهداءنا الأبرار، وفرّج الله كرب ناثرينا وشعرائنا في البار أو خارج البار في هذه الديار... الديار التونسية التي لها صلاّحها الأحياء والأموات. ينيرون دربها ومسيرتها دائما وأبدا.