الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات



بالمناسبة

ماذا قدّمت الجمهورية الثانية غير القتل الرمزي الممنهج للمثقفين وللأقلام الحرة؟


ربما من منطلق الإيمان الدفين بأن «نخبتنا نكبتنا» بتنا نعايش من فترة إلى أخرى تصفية جماعية للنخب التونسية بتهمة أنها «غير مضمونة». ومثلما أحاط به ميشال فوكو جمهور قرائه من خلال كتابيه «المراقبة والعقاب» و«فلسفة السلطة» فإن السلطة صارت ميكروفيزيائية أي مجهرية أو غير مرئية، ومعنى ذلك بشكل مبسط أن السلطة الحديثة كفت عن المعاقبة وحلت محلها المراقبة. والمراد به هنا توضيح أن التصفية لم تعد تمثيلا بالجسد في الساحات العامة كما كان الأمر في القديم من أجل ترهيب الجمهور المشاهد، وإنما أصبح اليوم القتل ذكيا وخفيا، أي رمزيا ونفسانيا وأيضا ماليا. إنها سياسة المراقبة والمحاصرة بهدف تركيع المعاندين من الكتاب (أدباء وإعلاميين) وتجويعهم حتى تجف الأصوات في حناجرهم.

إنها الدولة العميقة يا سادة:

لقد تمّ حصر المثقفين داخل مدينتهم الحصينة بشارع محمد الخامس بتونس العاصمة في حين أوكلت مهمة تشكيل وعي الشعب التونسي إلى نخب جديدة هي نخب «الجبايب والعمايم». وأسندت المصادح في كل حي من تراب الجمهورية إلى الأئمة الخطباء فهم الذين يتولون اليوم بكامل الأسف مهمة تثقيف الشعب التونسي، وهم شرّاح قضاياه الحارقة من زوايا نظرهم الضحلة، ونستثني طبعا بعض الجامعيين المستنيرين وعددهم ضئيل جدا (عشرات فقط) مقارنة بآلاف الخطباء العصاميين الذين تعوزهم المنهجية في التفكير وينقصهم بُعد النظر الذي طالما اشتهر به علماء تونس وهو الفهم المقاصدي للدين ولدوره في الحياة.

وبعد حلّ اللجنة الثقافية الوطنية التي أسسها المفكر الحرّ الدكتور محمد الطالبي وكانت تكريسا لشعبية الثقافة المنتشرة في كل حي، خاصة أن دُور الثقافة كانت تُعرف منذ استقلال تونس لدى العامة والخاصة باسم دُور الشعب. ولم يكن حلها إلا لترك المجال إلى لجان جديدة تتألف من جمعيات نشر الثقافة الدينية ليس لخدمة الدين الصافي ولكن لتقديم خدمات سياسية جليلة تحت غطاء ديني. ولسنا ضد الدين ولكن ضد التلاعب به وضد أن يؤتمن عليه الجاهلون بمقاصده النبيلة وبقيمه السمحة وخاصة بجانبه العقلاني العظيم.

وبحل اللجان الثقافية الجهوية والمحلية انتهى عهد دعم الكتاب التونسي إذ لم يعد ممكنا كما كان في السابق أن تعمد كل لجنة ثقافية أو دار ثقافة إلى اقتناء وبكامل الحرية ما تشاء من كتب أو تحتفي بمن تشاء من المؤلفين وبإصداراتهم، وكل ذلك كان بلا رقيب، خاصة أن مثل تلك اللجان الثقافية كانت تتركب من موظفين بوزارة الثقافة ومن أعضاء ورئيس من عامة الشعب ممن لهم ميولات ثقافية في منطقتهم.

ولو كانت النية بريئة لوقع تعويض ذلك الفراغ القانوني بعد حل تلك اللجان بقانون خاص لإدارة دور الثقافة لمنحها حرية التصرف في ميزانيتها المالية الضئيلة، ولكن وقع للأسف تحويل السلطة المحلية لإدارة الشأن الثقافي إلى سلطة مركزية وطنية بوزارة الثقافة (تمثلها بلغة مبسطة لجنة اقتناء الكتاب الثقافي) وسلطة جهوية بالمندوبيات.

لهذه الأسباب وقع إعدام اليوم الوطني للثقافة:

كان الاحتفال باليوم الوطني للثقافة تقديرا لأهل العطاء الثقافي واحتفالا رمزيا بحرية التعبير وحرية الإبداع. لأن كل دولة تحترم نخبها أو على الأقل لها الحد الأدنى من الذكاء أن تتظاهر بذلك جميعا. لكن من الصعب تحويل العقول المتحجرة إلى حدائق للفكر الخلاق والمبدع والمتفاعل على نحو إيجابي سريع مع كل لحظة تاريخية فارقة.

لقد أعدم اليوم الوطني للثقافة بسبب الحمق السياسي لبعض المتحزبين الذين جعلهم طموحهم السياسي يديرون قطاعات انتسبوا لها ولم تنتسب لهم لأنهم دخلاء عليها، ولكن أسعفهم التموقع الحزبي من فرصة إدارتها من قاعات عمليات يعلم الكثيرون من هم أطرافها. ولا ريب في أن تلك الأطراف ستكون في الأخير سببا في إسقاط سقف خيام تلك الأحزاب على رؤوس مناضليها الحقيقيين.

على كل إن إعدام اليوم الوطني للثقافة سببه أنه سيكون مهرجانا وطنيا للتقدميين والحداثيين وسيؤدي بلا ريب إلى تسليط الضوء على موسيقيين وشعراء متمردين وربما مائعين وفنانين تشكيليين وروائيين وقصاصين ونقاد وكتاب في مجالات شتى وهذا جميعا قد يكون تكريسا للثقافة الحرام.

ومن الطرائف أن بعض الأيمة يتداولون اليوم على صفحاتهم الاجتماعية التدوينة التالية: «سئل الحاج سعيد بن جبير ما رأيك بالعود (أي تلك الآلة الموسيقية) فقال: إن العود شجرة قطعت بغير حق، وأما الأوتار فإنها أمعاء الشياه تُبعث معك يوم القيامة».

ثم إن اليوم الوطني للثقافة سيشهد توسيما للإعلاميين وسيكون من بينهم الكثير من ذوي الأقلام السليطة المداد، كما أن بعض الهياكل النقابية الممثلة للشرائح الإعلامية ستكون لها مقترحاتها في التوسيمات، وهذا مرفوض طبعا من قبل أهل السلطان لا سيما أنه سيكون في مقدمة أولائك الإعلاميين بعض صحفيي جريدة «الصحافة اليوم» التي يعتبرها البعض «شوليقة» لأنه لم يفهم طبيعة تركيبة أقلامها. باعتبار أن جريدة الصحافة قد جمعت أقلاما مبدعة وأخرى مشاكسة من مختلف المشارب... أقلام كان نظام بن علي في أوج قوته يهابها ولا يجرؤ على الدخول في معركة معلنة معها، كان يهادنها ولا يحاول إثارتها كما يفعل المغفلون من حكام «الغلبة» اليوم رغم أنه يعلم أنهم إذ يلتزمون بخط الجريدة وهو الخط الحكومي كما كان الشأن بالنسبة إلى بقية المؤسسات الإعلامية المملوكة للدولة مثل وكالة تونس إفريقيا للأنباء ومؤسسة التلفزة التونسية ومؤسسة الإذاعة التونسية فإنهم إما يكتبون مقالات لاذعة في جرائد المعارضة مثل جريدة الموقف وجريدة مواطنون وبأسمائهم أو يعارضون بصوت عال في الفضاءات الحقوقية والنقابية أو أنهم يسربون أخبارا ناقدة لأطراف معارضة أو لمواقع إلكترونية وكان يتم تداولها في إميلات على حواسيب جريدة الصحافة وعلى مشهد من الجميع.

وقديما قيل إن الحصون القوية لا تؤخذ إلا من الداخل وكذلك فإن حركة النقد السياسي والتمرد على النظام والثورة تمت من داخل مؤسسات الدولة وخاصة الإعلامية منها وتحديدا من داخل جريدة الصحافة التي كانت خليطا من الأقلام العتيدة وفي مقدمتهم الزملاء محمود الذوادي رئيس مركز تونس لحرية الصحافة وناجي البغوري رئيس النقابة الوطنية للصحفيين وزياد الهاني الذي طالما نكّل بقلمه بالطرابلسية فاضحا فسادهم بالأسماء والوقائع... والكل يعلم العرائض التي كان هؤلاء يتداولونها ويكون في مقدمة الممضين عليها صحفيو جريدة الصحافة، وكان لطفي الحجي ومحمد معلى ومحمد بوسنينة ومحسن عبد الرحمان في صدارة تحركاتهم وتنسيقهم والمناضل السياسي والحقوقي عم علي بن سالم الذي ترتعد منه فرائس/ الأمن في الواجهة الخلفية.

وكان النظام وقتئذ ينظر إليهم نظر العاجز عن مجابهتهم لأن داء المعارضة بدأ ينخره من داخل مؤسساته. ثم لحقت بتلك الطبقة أقلام أخرى مشاكسة لم تتسع لأصحابها صدور إدارات مؤسساتهم الإعلامية أو الحقوقية... وفي ذلك الوقت الذي كان فيه صحفيو جريدة الصحافة يقترض بعضهم من بعض أو من الصندوق الاجتماعي لمؤسسة سنيب لابراس من أجل الإيفاء بمستلزماتهم العائلية كان بعض المتشدقين اليوم بالحط من شأن جريدة الصحافة يكنزون أموال الخزينة الأمريكية في إطار مشاريع وتجارب يشاركون في تطبيقها على المجتمعات العربية والإسلامية وبعضهم الآخر يتلقى أموال المنظمات الحقوقية الأوروبية أو أموال الصدقات والزكاة العابرة للقارات بطرق يعلمها الكثيرون والتي تتحول أحيانا إلى مشاريع وشركات أثرت منها أطراف كان يعتقد أنها تعاني الحصار السياسي.

الثقافة الراهنة بين قيم الجمهورية والرسالة العمومية:

ليس ممكنا وبالبلاد تشهد هجمات إرهابية مسلحة وفكرية ظلامية ومتطرفة أن يجلس أهل الثقافة والإعلام على الربوة. بالنسبة إلى رجال الثقافة فرسالتهم واضحة مثلما بتنا نطالعه في بعض الروايات والقصائد والأعمال الدرامية وهي فضح المتطرفين دينيا وكشف مخاطرهم على المجتمع والدولة والتصدي لهم فكريا بينما صارت رسالة الإعلام اليوم هي الانحياز ليس للحكومات الهشة والتي تنم تركيبتها عن غنائمية حزبية جشعة وهي حكومات شبه سنوية المدة لأنها إما مؤقتة أو فاشلة أو محاصرة حزبيا وإنما وضع الذمة في خدمة الشعب التونسي ودولته في إطار الحياد مع كل الأطراف وفي كنف أخلاقيات المهنة الصحفية.

وإن كانت بعض المقالات ناقدة فذلك في مصلحة المجتمع والدولة وحتى تلك الحكومات كي تعدّل من بوصلتها وتصلح من سلوكها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي. أما أن يتحرج بعض أعضاء الحكومة من المقالات الصحفية لأنها تعتبر أن هذه المؤسسة الإعلامية أو تلك تحت إشرافها المالي والإداري وبالتالي يجب أن تكون أقلامها موالية لها وتتخذ موقفا معاديا أو استئصاليا من خلف المقاعد الوثيرة وحول طاولات الغرف المغلقة فذلك من عبث الصبيان وهو مخالف للهدف الذي قامت من أجله الثورة وكانوا بسببه على تلك المقاعد التي يبدو أنها أكبر من مستواهم الفكري الجامد.

في إشعاع الصحافة العمومية:

إن الدولة التونسية للأسف بصدد الانهيار وهي في حالة احتضار وعلى حافة هاوية سحيقة وليس أدل على ذلك من إفلاس معظم الشركات الوطنية الكبرى في كل القطاعات بلا استثناء، وضمنها شركة سنيب لابراس التابعة إداريا لإدارة المنشآت العمومية برئاسة الحكومة. فمن كمال ضعف الحكومة أن يتقلص حجم جريدة عمومية تحت إشراف هياكلها أي جريدة الصحافة، وألا يجد صحفيوها والعاملون بها مرتباتهم الشهرية ومستحقاتهم المالية، بل من العار أن يتخلى أعضاؤها عن مسؤوليتهم في المحافظة على السير الطبيعي لمنبر إعلامي هو في الحقيقة لسان الدولة التونسية وعنوان هويتها العربية.

وفي انتظار رحيل مثل أولائك العابرين، الشامتين، الساخطين على حرية التفكير والتعبير مع حكوماتهم الفاشلة ستبقى جريدة الصحافة التي تتناول اليوم مقالاتها مختلف المنابر الإعلامية بالعرض والتحليل والمناقشات التنويرية الهادفة شامخة عتيدة ومدرسة في تصعيد قادة بعد قادة في الإعلام والإبداع والمسؤوليات الوطنية، كما سيظل صحفيوها عناقيد نور يطلون بإسهاماتهم الفكرية النيرة على المنابر التلفزية والإذاعية والجامعية والثقافية مساهمين بذلك في بناء الثقافة الوطنية المستقلة وتكريس قيم الجمهورية الأكثر طموحا وتقدمية خاصة في ظل ظهور طلائع لثقافة ظلامية قروسطية، وأمام انتشار أفكار متوحشة لمسؤولين حكوميين ينهش أصحابها في جسد الدولة التونسية ويسعون بدافع من تلك الأفكار الخطيرة التي تمخضت عنها عقولهم الضحلة إلى تقويض كل مؤسسة عمومية تستعصي عليهم ولا تنخرط في جوقة التطبيل لفشلهم المعلن.

بأية حال عدت يا عيد:

ونحن نحتفل بعيد الجمهورية لا نملك في مثل أوضاعنا الوطنية الراهنة وهي أوضاع صعبة ومتأزمة إلا استحضار أبيات من قصيدة المتنبي «عيد بأية حال عدت يا عيد»:

عيدٌ بأيّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ

بمَا مَضَى أمْ بأمْرٍ فيكَ تجْديدُ

أمّا الأحِبّةُ فالبَيْداءُ دونَهُمُ

فَلَيتَ دونَكَ بِيداً دونَهَا بِيدُ

لَوْلا العُلى لم تجُبْ بي ما أجوبُ بهَا

وَجْنَاءُ حَرْفٌ وَلا جَرْداءُ قَيْدودُ

ماذا سيقدم حكام هذه المرحلة لتونس في عيد جمهوريتها؟ لا شيء بلا شكّ، لأنه كان ينبغي أن يكون كل عيد وطني وخاصة عيد الجمهورية موعدا لإعلان قرارات جديدة واتخاذ إجراءات ومبادرات حكومية شجاعة وذكية تشمل كل القطاعات. لكن فاقد الشيء لا يعطيه ثم إن ما تعودنا عليه خلال السنوات الأخيرة هو تداول بيانات حزبية وخطابات حكومية ورئاسية جوفاء تقف عند حدود التشخيص الرتيب للمشاكل الحزبية والسياسية لا غير، أو ترديد كليشيهات محاربة الفساد والإرهاب... كما تعودنا على متابعة ثقافة وخطابات «الكلاش» السياسي التي تعكس ضحالة الواقع التونسي الراهن وسيادة ثقافة جديدة هي الثقافة الغنائمية وثقافة لعبة الكراسي.

صورة الحال اليوم تؤكد أن الطبقة السياسية تطفو على سطح الأحداث وعلى مركب الرفاه في حين تغوص البلاد نحو الأسفل وتغرق بقية طبقات المجتمع التونسي خاصة منها الطبقة الوسطى وضمنها الشرائح الثقافية والإعلامية في الضيق والعوز. الأمر الذي ما انفك يغذي ثقافة الغضب الشعبي في مقابل ثقافة الغنائمية الحزبية التي لا سند شعبي لها. وهو ما يبشر بغليان سيعقبه انفجار سيكنس إن شاء الله عناوين الفشل من مختلف المواقع.

وليس أجمل في الأخير من ترديد قول الشاعر الصغير أولاد أحمد:

«ولو قتلونا

كما قتلونا

ولو شردونا

كما شرّدونا

ولو أبعدونا

لبرك الغماد

لعدنا غزاة

لهذا البلد».

 


منصور