الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات



تلوينات

عودة الدرّ إلى معدنه


روضة الشتيوي

لا أدري إن كان الساهرون على مهرجان قرطاج منذ أمد غير قصير وعلى اختلاف مشاربهم وتوجّهاتهم وخياراتهم يدركون، أو يعون، أن للفضاء الذي يحتضن المهرجان خصوصيته وفرادته وأنه لا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن يخضع للأهواء أو للحسابات الضيقة أو للإخوانيات أو لقلّة الخبرة وغياب التجربة أو لضيق أفق التفكير والتصوّر أو لقصور الخيال وغيرها من العوامل التي من شأنها أن تجعل منه فضاء خاليا من مميّزاته وخصائصه وتساويه مع فضاءات أخرى ليست لها تلك الهالة ولا بهرج لها يرفعها إلى مستوى مسرح قرطاج الأثري.

فبمجرّد حضور إحدى سهرات مهرجان قرطاج الدولي من التّي يعجّ فيها المسرح بالروّاد ويمتلئ فيها بجميل الفن وعذبه، ندرك معنى أن يكون الإبداع قدر هذا المكان وأن تكون تلك الارتجالات التي لا تتناسق مع جغرافيته وتاريخه لا معنى لها ولا مبرّر لها وهي التي أصبحت القاعدة في حين يكاد يصبح الجيّد والراقي من قبيل الصدفة. في هذه الدورة مثلا يتجسّد ما نقول بالعودة إلى سهرتي المطربة التونسيّة الرائعة أمينة فاخت وسهرة المصريين أبو وياسمين علي، فأين ذلك الألق الذي صبغ الفضاء مع صوت أمينة الرائع ومع جنوح صاحبته إلى كلّ ذلك الجنون الجميل من ذلك البؤس الذي خيّم على صخور قرطاج وأعمدتها مع تلك الأغنيات التي قدّمها الثنائي المصري والتي لا تشبه غير نفسها ولا صلة لها بما قدّم على امتداد تاريخ المهرجان المشع عندما كان يقف على ركحه كبار الفنانين وعتاته من الشرق والغرب.

عودة أمينة فاخت إلى مهرجان قرطاج بعد كلّ هذا الغياب، هي عودة الدر إلى معدنه وإلى مكمنه ولم يكن نجاحها في السهرتين اللتين أحيتهما على ركحه مؤخرا مفاجأة لمن خبر صوت هذه الفنانة الكبيرة ولمن يعرف مسيرتها ويدرك مدى عشقها للفن ومدى قدرتها على أن تأسر جمهورها بصوتها وبحضورها واختلافها في التعاطي معه. هذا فضلا عن أنها عودة بمثابة الدلالة على أن بالإمكان أن يكون لنا نجوم تونسيّون حقيقيّون، من هنا انطلقوا وهنا واصلوا سعيهم وكدّهم وهنا استقرّوا، وأن الحلقة المهمّة في كلّ هذا هي أن يكون المغنّي من طينة الفنّانين الحقيقيّين ومن تلك العجينة الخاصّة جدّا التي تجعله يمتلك قدرة عجيبة على امتلاك الآخر وأسره بكلّ التفاصيل التي يأتيها مهما كانت بسيطة.

أن يتحوّل مسرح قرطاج الأثري إلى مكان يعبق بكلّ روائح الفن الراقي وتُستنفر فيه كل الحواس وتُستفزّ فيه كلّ المشاعر فذاك هو قدره الحقيقي وما هو موعود به منذ الأزل وحضور أمينة على ركحه أو غيرها ممّن لفّ لفّها في طريق الجمال والرفعة والإبداع هو سّر وجود المهرجان ومشروعيّة استمراره، ومن لا يدرك هذا من المشرفين عليه من السابقين أو من اللاّحقين لن يكون أهلا لهذه المهمّة التّي تعتبر مسؤوليّة مقدّسة طالما أنّ مهرجان قرطاج له امتداد في التاريخ ويعرّف في الخارج بانتماء تونسي.