الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات



نقاط وحروف

مشاريع إصلاح التعليم العمومي.. أما زال الأمل ممكنا؟


بقلم: كمال الشيحاوي

كثيرا ما يتباهى التونسيون بفخر أن دولتهم قد راهنت في بداية الاستقلال على التعليم ولهم الحق في ذلك إذ تذكرنا مثلا أن المنحة الجامعية التي يتحصّل عليها الطالب التونسي كانت تعادل مادّيا في ستينات وسبعينات القرن الماضي راتب معلّم في ذلك الوقت. وعلى هذا الاعتبار توارثت العائلات التونسية في معظم مناطق البلاد تقديرا خاصّا للتعليم وأهله وكان للمعلّم وأستاذ التعليم الثانوي والجامعي مقام اجتماعي محترم اعتباري ومادّي وإيديولوجي أيضا.

ومع تزايد النمو الدّيمغرافي و الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وفشل الدّولة في الاستجابة لتطلّعات طالبي الشغل الذين تضاعف عددهم في تسعينات القرن الماضي ومحدودية تدخّل القطاع الخاص زاد ثقل ما عرف في زمن حكم بن علي بملف العاطلين من أصحاب الشهائد العليا ونتجت عن ذلك كلّه أزمة قيميّة كبيرة انعكست سلبيا في نظرة المجتمع للتعليم وآفاق الدّراسة والعمل خصوصا في القطاع العام. وقد تجلّت مظاهر هذه الأزمة في اليأس من التعليم كمصعد اجتماعي قبل الثورة وبعدها وبرزت نسب الانقطاع الكبيرة عن التعليم و بلغ عدد التلاميذ الذين انقطعوا عن الدراسة خلال سنة 2016 حوالي 96 ألف تلميذ وفق تقارير لمصالح وزارة التربية. وهو رقم مفزع بلا شكّ . وتبرز الدراسات التي أنجزتها وزارة التربية وأخرى لمكاتب دراسات خاصة بأن الجهات الداخلية لاسيما منها ولايات القيروان وجندوبة و سليانة وسيدي بوزيد والقصرين هي أكثر الجهات تعرضا للانقطاع المدرسي خاصة بسبب انتشار الفقر وتردي الأوضاع الاجتماعية للأسرة وأحيانا لأسباب بيداغوجية نتيجة عدم القدرة على التأقلم مع الضغط الدراسي والحياة داخل المدرسة. كما تشير ذات الدّراسات إلى أن 80 بالمائة من المنقطعين عن الدراسة تتراوح أعمارهم بين 12 و 16 سنة وان 88 بالمائة من التلاميذ المنقطعين هم من اتخذوا لوحدهم قرار الانقطاع عن الدراسة، فضلا عن أن 60 بالمائة من الأطفال أولياؤهم لم يزاولوا دراستهم وان أكثر من 35 بالمائة غادروا المدرسة بسبب علاقات متوترة مع المدرسين والإدارة. وتفيد هذه الدراسات بان أكثر من 46 بالمائة من المنقطعين هجروا المدارس في المرحلة الابتدائية وان قرابة 28 بالمائة قد غادروها لأسباب مادية وان أكثر من 10 بالمائة انقطعوا بعد حدوث رسوب.

ورغم الدّعاية التي صاحبت مشروع المدرسة تستعيد أبناءها (في عهد الوزير ناجي جلول) حيث روّجت لكونها نجحت في استعادة حوالي 25 بالمائة من المنقطعين فإن 81 بالمائة من المستجوبين في الدراسات الميدانية لا علم لهم بوجود برنامج المدرسة تستعيد أبناءها وان قرابة 37 بالمائة من المنقطعين هم مرتاحون بعيدا عن المدرسة كما أن أكثر من 29 بالمائة من المنقطعين لا يعملون ولا يزاولون تكوينا مهنيا.

وان اضطرّ المفقّرون والمهمّشون الى اليأس من التعليم ومغادرته مبكّرا فإن أبناء الطبقة الوسطى أو ما تبقى منها باعتبار ما آلت إليه هذه الطبقة من تدهور اجتماعي بذلوا كلّ جهدهم ووضعوا كلّ إمكانياتهم من أجل نجاح أبنائهم ومع إلغاء مناظرة السيزيام ومنظومة المعاهد النموذجية وشعار مدرسة الامتياز وتعاظم ظاهرة الدّروس الخصوصية وفشل الكثير من محاولات إصلاح المنظومة التربوية وخضوعها لشتّى مظاهر التجاذب السياسي والإيديولوجي خصوصا بعد الثورة وتكاثر ظاهرة الإضرابات في قطاع التعليم وبلوغها أشكالا غير مسبوقة كما حصل مع قصة «حجب أعداد السداسية الثانية» خلال هذه السنة، كلّ هذه المعطيات (فضلا عمّا تراكم من سلبيات من أبرزها النجاح الآلي وشتّى مظاهر الإسعاف واضطرار وزارة التربية الى ترقية كلّ التلاميذ في سنة 2016 في خلافها مع نقابة التعليم الأساسي) ساهمت في تراجع مستوى التلاميذ الناجحين هذه السنة. ويؤكّد المدير العام للامتحانات بوزارة التربية هذه الحقيقة حين يشير إلى أنّ 95 بالمائة من الناجحين في امتحان الباكالوريا شعبة الآداب و 84 بالمائة من الناجحين المنتمين إلى شعبة الاقتصاد و التصرف و86 بالمائة من الناجحين المنتمين إلى شعبة علوم الإعلامية و 75 بالمائة من الناجحين المنتمين إلى شعبة علوم التقنية قد نجحوا بملاحظة متوسط . ولم تكن نسبة التميز إلاّ في حدود 4 بالمائة وأنّه من جملة 126 ألف تلميذ مسجل في السنة التاسعة (امتحان النوفيام/ شهادة ختم التعليم الأساسي)خضع 26 ألف تلميذ فقط للتقييم أي بنسبة تقل عن الخمس وأن نسبة تتراوح ما بين 55 و 60 بالمائة من هؤلاء تتحصل سنويا على عدد اقل من عشرة في المواد الأساسية على غرار الرياضيات و العربية و العلوم. و أخيرا فإن امتحان السيزيام (السنة السادسة من التعليم الابتدائي) قد سجل بدوره عزوف أكثر من 100 ألف تلميذ و انه من جملة 3150 مقعد مخصص للمعاهد النموذجية لم ينجح سوى 1364 فحسب لان أعداد البقية كانت دون 15 من عشرين. وإذا وضعنا في الاعتبار أن هؤلاء الناجحين الذين تراجع مستواهم هم طلبة الجامعات في المستقبل أدركنا أنّنا أمام معطيات وإحصائيات باتت خطيرة جدّا وتهدّد بنسف كلّ ما بنته المدرسة التونسية وربّما نهاية التعليم العمومي برمّته.

الواقع اليوم أنّنا أمام تصوّرين رئيسيين. التصوّر الأوّل سلبي وعدمي ومتشائم يقول بأن الدولة التونسية لم تعد قادرة مادّيا ولا راغبة باعتبار سياق التوجه اللّيبرالي في الرّهان والاستثمار في المدرسة العمومية المجانية وأن الناس باتوا مقتنعين بهذه الحقيقة بدليل إقبال من هو قادر ماديا منهم على توجيه طفله للمدارس الخاصّة أو صرف الكثير من المال على الدروس الخصوصية وأن كلّ ما يتمّ اليوم عن المدرسة العمومية التونسية وحداثتها هو من قبيل الدّعاية السياسية والانتخابية لا أكثر. والتصوّر الثاني يقول خلاف ذلك بأن نسبة المرسّمين في التعليم الخاص ما تزال قليلة جدّا رغم كلّ ما حدث من انكسارات وتشوّهات طالت صورة المدرسة وصورة المدرّس خاصّة وأن الدولة ما تزال في حاجة لدعم التعليم العمومي وتنويع موارده الخاصّة وأن الأمر مرتبط بوضع مشروع ريادي للإصلاح يتعلّق بتطوير البرامج والمناهج والتوقيت المدرسي والتوقّف عن النجاح الآلي وأشكال الإسعاف المجانية وفرز المتميّزين منذ السنة السادسة ابتدائي وتوجيه المتوسّط والضعيف الى مدارس التكوين المهني وغيرها، كلّ ذلك من أجل استعادة مستوى المدرسة التونسية ومستوى التلميذ التونسي دوليا وهو مستوى تراجع على نحو مؤسف في السنوات الأخيرة.

وفي انتظار أن يتبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود وتبرز حقيقة النوايا صلب وزارة التربية المؤتمنة على تنفيذ هكذا مشاريع فإن الأكيد أن جيلا أو جيلين ربّما من شباب تونس قد دفع ضريبة هذه الأزمة التي طالت المدرسة العمومية وأنّه وجد نفسه إمّا منقطعا عن التعليم بشكل مبكّر ما يضاعف لديه ثأرا خاصا تجاهها وتجاه كلّ ما تعبّر عنه من قيم وسخرية أيضا من كلّ نتاجها الثقافي والذوقي وهو ما نلاحظه في تنامي سطوة أصحاب الصنائع ولغتهم على كلّ الفضاء العمومي( عبارات «مريغل» ويا «معلم» وغيرها) أو متحصلا على الأستاذية وعاطلا عن العمل ما يجعله أكلة سائغة لكلّ مشاريع التطرّف في هذا الاتجاه أو ذاك أو موظّفا في القطاع العام أو الخاص بتكوين ضعيف وآفاق مهنية محدودة جدّا .

لا يحتاج هذا الجيل لأن نعتذر له أو أن نحرّضه على هذا الطرف أو ذاك فهذا من قبيل السياسوية المريضة ولكنه في تقديرنا يحتاج على الأقل لأن نفهمه ونتفهّم الظروف التي أنتجته والتي كان ضحية لها حتّى نقلّل حجم العنف واللامبالاة لديه من كلّ شيء والتي يترجمها عادة بالعزوف عن كلّ ما له علاقة بالشأن العام من انتخابات وغيرها. نحتاج كلّ ذلك أملا في مستقبل أفضل.